في محاولة لتعزيز مكانتها الاقتصادية وتحقيق الاستفادة القصوى من مواردها الطبيعية، اتجهت مصر نحو تطوير منظومة متكاملة لصناعة الذهب. وقّع البنك المركزي المصري وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي (أفريكسيم بنك) مذكرة تفاهم في نهاية ديسمبر 2025 لإنشاء بنك أفريقي متخصص في الذهب، يهدف إلى إعادة تشكيل عمليات استخراج وتخزين وتداول الذهب داخل القارة الأفريقية، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
تأتي هذه الخطوة في ظل سعي مصري وأفريقي أوسع نطاقاً لتوطين صناعة الذهب، وتحويل القارة من مصدر للمادة الخام إلى مركز إقليمي للمعالجة والتصنيع، مما يساهم في تعزيز احتياطيات البنوك المركزية الأفريقية وزيادة القيمة المضافة للاقتصاديات المحلية. يهدف المشروع إلى تغيير جذري في إدارة هذا المورد الثمين.
أهداف ومكونات بنك الذهب المصري
تستند المبادرة إلى عدة أهداف رئيسية، أبرزها تقوية احتياطيات البنوك المركزية الأفريقية، وتقليل الاعتماد على مراكز تعدين وتداول الذهب خارج القارة، وإضفاء الطابع الرسمي والمؤسسي على هذه الصناعة الحيوية. كما تسعى إلى تعزيز وتسريع القيمة المضافة للمعادن داخل أفريقيا، وتوسيع نطاق المشروع ليشمل جميع الدول الأفريقية.
وتشمل مكونات بنك الذهب في القاهرة إنشاء منظومة متكاملة في إحدى المناطق الحرة المخصصة، بالإضافة إلى إنشاء مصفاة ذهب معتمدة دولياً وفقاً للمعايير العالمية. كما سيتم إحداث مرافق آمنة ومتخصصة لتخزين الذهب، وتقديم خدمات مالية متخصصة وخدمات تداول متقدمة مرتبطة بالذهب.
الرؤية المصرية لتجارة الذهب
يرى محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، أن اختيار مصر مقراً لهذا المشروع الجديد يعزز فرصها في التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الذهب والخدمات المالية المرتبطة به. وتعتبر مصر من بين أكبر خمس دول أفريقية منتجة للذهب، وتسعى لزيادة إنتاجها في السنوات القادمة.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج مصر من الذهب والفضة بلغ حوالي 640 ألف أوقية خلال العام الماضي 2025، بقيمة مبيعات تجاوزت 1.5 مليار دولار. ويقدر الاحتياطي التقريبي لمنجم السكري، وهو المنجم الرئيسي في مصر، بأكثر من 6.2 مليون أوقية من الذهب قابلة للزيادة.
توقعات أفريكسيم بنك والخبراء
من جهته، توقع رئيس بنك التصدير والاستيراد الأفريقي (أفريكسيم بنك)، جورج إيلومبي، أن يحقق المشروع عوائد اقتصادية كبيرة للقارة من خلال تغيير جذري في إدارة الذهب، والحفاظ على قيمته داخل أفريقيا، والحد من الصدمات الخارجية، ودعم استقرار العملات الأفريقية. ويعتبر أفريكسيم بنك شريكاً رئيسياً في هذه المبادرة.
ويرى خبراء في قطاع التعدين أن هذه المبادرة تمثل “خطوة واقعية للغاية” بالنظر إلى ضخامة الموارد التعدينية والمناجم الواعدة التي تزخر بها القارة الأفريقية. ويؤكدون على أهمية الاستفادة من هذه الموارد لتعزيز التنمية الاقتصادية في القارة.
ويشير أشرف الأمير، الرئيس السابق لمجلس إدارة شركة شلاتين للثروة المعدنية، إلى أن قطاع التعدين يساهم حالياً بنسبة ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي المصري، مؤكداً سعي الدولة لرفع هذه النسبة إلى 5% في السنوات المقبلة من خلال حزمة متكاملة من التشريعات والإجراءات الهيكلية.
توطين القيمة المضافة في صناعة الذهب
وتكمن أهمية المشروع في توطين القيمة المضافة لصناعة الذهب، بدلاً من تصدير المادة الخام إلى الخارج. ويعني ذلك إنشاء صناعات محلية تقوم بتكرير الذهب وتصنيعه وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، مما يساهم في زيادة الدخل القومي وتوفير فرص عمل جديدة. كما أن تطوير الاستثمار في الذهب يمثل فرصة كبيرة.
وتكثف مصر جهودها لجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع التعدين، ولا سيما في مجال الذهب، من خلال شركات محلية وعالمية. وتستهدف زيادة إنتاج الذهب إلى نحو 800 ألف أوقية سنوياً في السنوات المقبلة.
الخطوات القادمة والتحديات المحتملة
من المتوقع أن يتم الانتهاء من إنشاء البنية التحتية اللازمة لبنك الذهب في القاهرة خلال العام 2026، وبدء تشغيل المنظومة بشكل كامل في بداية عام 2027. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات المحتملة التي قد تواجه المشروع، مثل الحصول على التمويل اللازم، وتوفير الكوادر المؤهلة، والتغلب على العقبات الإدارية والقانونية.
وستراقب الأسواق عن كثب تطورات هذا المشروع، وتأثيره على أسعار الذهب، وعلى مكانة مصر وأفريقيا في سوق الذهب العالمي. كما ستتابع مدى قدرة المشروع على تحقيق أهدافه في توطين صناعة الذهب، وتعزيز التنمية الاقتصادية في القارة.
