منذ الإعلان عنه، أثار فيلم “الست”، الذي يتناول حياة أم كلثوم، جدلاً واسعاً وتوقعات كبيرة. الفيلم يمثل محاولة سينمائية جريئة لتقديم رؤية جديدة لسيرة هذه الأيقونة المصرية والعربية، لكنه يواجه تحديات كبيرة في تحقيق التوازن بين الدقة التاريخية والحرية الفنية. يتناول هذا المقال جوانب مختلفة من فيلم “الست” وتقييمًا نقديًا لأدائه.
الفيلم من إخراج مروان حامد وسيناريو أحمد مراد، ويشارك في بطولته نخبة من الممثلين المصريين، وعلى رأسهم منى زكي التي تجسد شخصية أم كلثوم. الفيلم ليس إعادة سرد تقليدية لحياة المطربة، بل يقدم مجموعة من اللحظات المفصلية في مسيرتها، مستعرضًا جوانب من شخصيتها لم تُظهر من قبل.
الست: رؤية جديدة أم مجرد عرض للجمهور؟
منذ اللحظة الأولى، يتبنى “الست” أسلوبًا سرديًا غير تقليدي. يتجنب الفيلم التسلسل الزمني للحياة، ويقفز بين اللحظات المهمة في مسيرة أم كلثوم، مما يخلق إيقاعًا سريعًا وتركيزًا على تفاصيل معينة. هذا الأسلوب يهدف إلى إبراز التناقضات في شخصية أم كلثوم، وإظهار الجوانب الإنسانية التي قد لا يعرفها الكثيرون.
اختيار هذا الأسلوب يمنح الفيلم حرية في التركيز على جوانب معينة من حياة أم كلثوم، وتقديم رؤية شخصية للمخرج والسيناريست. لكنه في المقابل، قد يؤدي إلى إرباك المتلقي، الذي قد يجد صعوبة في تتبع الأحداث وفهم العلاقات بين الشخصيات. الفيلم لا يقدم تفسيراً كاملاً لهذه اللحظات، بل يترك للمتفرج مهمة الربط بينها واستخلاص المعنى.
التحديات الفنية في تجسيد الأيقونة
واحدة من أكبر التحديات التي واجهت صناع الفيلم هي تجسيد شخصية أم كلثوم دون الوقوع في فخ التقديس المبالغ فيه. نجحت منى زكي في تقديم أداء مقنع، حيث أظهرت قوة أم كلثوم وصلابتها، وفي الوقت نفسه أظهرت هشاشتها وخوفها من الفشل. تمكنت الممثلة من إضفاء لمسة إنسانية على الشخصية، مما جعلها قريبة من الجمهور.
ومع ذلك، يواجه الفيلم انتقادات بسبب غياب وجهة النظر الواضحة. يبدو الفيلم وكأنه يقدم مجموعة من المشاهد الفردية دون ربطها بخيط درامي قوي. هذا الغياب يجعل الفيلم يبدو سطحيًا، ولا يقدم تحليلًا عميقًا للشخصية أو الظروف التاريخية التي عاشتها أم كلثوم. أيضًا، الاعتماد على ضيوف الشرف بشكل مبالغ فيه يشتت الانتباه عن القصة الرئيسية.
التأثير البصري واستخدام الأبيض والأسود
استخدم الفيلم تقنية الأبيض والأسود بشكل انتقائي، بهدف خلق تأثير بصري معين. لكن هذا الاستخدام يفتقر إلى المنطقية، حيث يظهر الأبيض والأسود في بعض المشاهد دون مبرر واضح. كان يمكن استخدام هذه التقنية بشكل أكثر فعالية، على سبيل المثال، لتمييز بين الماضي والحاضر، أو لإبراز حالات معينة من التوتر أو الدراما.
التركيز على الجماليات البصرية، مثل الكادرات اللامعة والمونتاج السريع، على حساب بناء القصة وتطوير الشخصيات، أثر سلبًا على الفيلم. هذا النهج يجعل الفيلم أقرب إلى “الفيديو كليب” الطويل، الذي يعتمد على الإبهار البصري أكثر من المضمون الفكري.
الفيلم يعرض أيضاً الجوانب المتعلقة بالصراعات الشخصية و العاطفية لأم كلثوم. كما يلقي الضوء على تأثيرها الكبير على الثقافة والمجتمع العربي. من الناحية الفنية، يعتبر الفيلم إضافة جديدة للأعمال التي تتناول قصص الشخصيات التاريخية في السينما المصرية.
من المتوقع أن يثير فيلم “الست” المزيد من الجدل والنقاش في الأيام القادمة، خاصة مع عرضه في دور السينما المختلفة. النجاح التجاري للفيلم سيعتمد بشكل كبير على قدرته على جذب الجمهور، وتقديم رؤية جديدة ومختلفة لحياة أم كلثوم. يتوقع مراقبون أن يشهد الموسم السينمائي القادم منافسة قوية بين الأفلام المختلفة، وأن يكون فيلم “الست” من بين أبرز الأعمال التي يجب متابعتها.
سيظل تقييم هذا الفيلم موضوعًا للنقاش، وستظهر المزيد من الآراء حول مدى نجاحه في تحقيق أهدافه الفنية. إلا أنه يبقى عملاً سينمائياً يمثل إضافة للثقافة المصرية والعربية، ويفتح الباب أمام المزيد من المحاولات الجادة لتناول حياة الشخصيات التاريخية.
