تعتبر رواية “أصل الأنواع” للكاتب المصري أحمد عبد اللطيف، والتي وصلت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2024، عملاً أدبياً يثير تساؤلات فلسفية ووجودية عميقة. تستكشف الرواية، من خلال تحول جسدي غامض، قضايا الهوية والمدينة واللغة، وتصوراً للعالم على شفا الانهيار. تتميز الرواية بأسلوبها السردي المبتكر ولغتها المتوترة، مما يجعلها إضافة مهمة إلى الأدب العربي المعاصر.
“أصل الأنواع”: استكشاف التحولات في المدينة والإنسان
تستند الرواية إلى نظرية التطور لتشارلز داروين، لكنها لا تقتصر على الجانب العلمي. بل تستخدم النظرية كمنطلق فلسفي للتأمل في حالة الإنسان والمجتمع، خاصة في سياق التحولات السريعة التي تشهدها المدن العربية. يرى عبد اللطيف أن النظرية الداروينية تحمل في طياتها مجازاً عميقاً حول طبيعة الإنسان وقدرته على التكيف والتخلي.
أكد عبد اللطيف في حوار له أن جائزة البوكر مهمة لرواج الكتب، لكن علاقته بالرواية تنتهي بمغادرتها المطبعة. يعتبر الكتاب كياناً منفصلاً، ويقدر آراء القراء والنقاد دون أن يعلق عليها توقعات كبيرة. بالنسبة له، المكسب الحقيقي يكمن في عملية الكتابة نفسها.
المدينة كشخصية فاعلة
تُصوَّر القاهرة في الرواية ليس كمجرد خلفية للأحداث، بل ككيان حي يتنفس ويتغير. تتعرض المدينة لتشوهات وتصدعات تعكس حالة سكانها، وتساهم في تفاقم أزماتهم الوجودية. يقول عبد اللطيف إنه لم يرَ القاهرة مكاناً ساكناً، بل مدينة مزدحمة وحيوية قادرة على التحول والتأثير في ساكنيها.
اللغة والغموض في الرواية
يتميز أسلوب عبد اللطيف اللغوي بالتوتر والتغير المستمر، وأحياناً بالاقتراب من لغة الأحلام. هذا الأسلوب يعكس حالة التشظي والارتباك التي يعيشها العالم الروائي. يؤكد الكاتب أنه لا يسعى إلى شرح الغرائبيّة في الرواية، بل إلى تجسيد واقع غامض يتطلب من القارئ فك شفرته.
الشخصيات والتشظي الوجودي
تُقدَّم الشخصيات في “أصل الأنواع” ككائنات غير مكتملة، تحمل شروخاً وتناقضات عميقة. هذا التشظي يعكس حالة الضياع والبحث عن الهوية التي يعيشها الإنسان المعاصر. يرى عبد اللطيف أن الشخصيات تعيش في حالة دائمة من التحول والتغير، وأن نقصها هو جزء أساسي من طبيعتها الإنسانية.
تأثير الترجمة على رؤية الكاتب
بالإضافة إلى عمله كروائي، يمارس أحمد عبد اللطيف الترجمة، وهو ما يرى أنه أثر بشكل كبير على رؤيته الأدبية. لا يعتبر الترجمة مجرد نقل للكلمات، بل عملية توسيع للتصورات الفنية والثقافية. يقول عبد اللطيف إن الترجمة ساعدته على فهم التنوع البشري والعودة إلى “مكونه الذاتي” بشكل أعمق.
الرواية والأسئلة الفلسفية
تطرح الرواية أسئلة فلسفية عميقة حول طبيعة الإنسان والعالم، مثل العلاقة بين الجسد والعقل، وبين الفرد والمجتمع، وبين الماضي والمستقبل. لا تقدم الرواية إجابات جاهزة، بل تترك للقارئ حرية التأويل والتفكير. يهدف عبد اللطيف إلى إثارة حالة من التأمل والشك لدى القارئ، ودفعهم إلى التساؤل عن المسلمات التي يعيشون بها.
من المتوقع أن تعلن الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عن قائمتها القصيرة في الأشهر القليلة القادمة. تظل “أصل الأنواع” عملاً أدبياً مهماً يستحق القراءة والتأمل، بغض النظر عن النتائج النهائية للجائزة. ما يثير الاهتمام هو استمرار هذا العمل في إثارة النقاش حول قضايا الهوية والتحول في العالم العربي.
