توفي المؤرخ الجزائري البارز محمد حربي يوم الخميس الماضي عن عمر يناهز 90 عامًا، مخلفًا وراءه إرثًا غنيًا في تاريخ الجزائر الحديث. وقد نعى الرئيس عبد المجيد تبون الراحل، مشيدًا بدوره في النضال ضد الاستعمار وتوثيق مراحل هامة من تاريخ البلاد. يمثل رحيل حربي خسارة كبيرة للحقل الأكاديمي والثقافي الجزائري.
أفادت وكالة الأنباء الجزائرية أن حربي وافته المنية مساء الخميس، وأكد صديقه المؤرخ علي قنون أن سبب الوفاة هو التهاب رئوي. وقد عاش حربي حياة مليئة بالنشاط السياسي والأكاديمي، وشهد بنفسه أحداثًا محورية في تاريخ الجزائر، مما جعله من أبرز المؤرخين المعاصرين.
رحلة حياة محمد حربي: من النضال إلى التأليف في تاريخ الجزائر
ولد محمد حربي في 16 يونيو 1933 في مدينة سكيكدة، وانخرط في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي في سن مبكرة. لاحقًا، سافر إلى باريس لمتابعة دراسته، حيث انضم إلى جبهة التحرير الوطني، وشارك في العمل مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، خاصةً إلى جانب كريم بلقاسم، أحد الموقعين على اتفاقيات إيفيان.
المشاركة السياسية المبكرة والتحول إلى المعارضة
بعد الاستقلال، شغل حربي منصبًا في ديوان الرئيس أحمد بن بلة. ومع ذلك، أدت الأحداث السياسية في عام 1965 إلى تحول في مساره، حيث أصبح من أبرز معارضي نظام هواري بومدين، الذي اتهمه بالشمولية. نتيجة لذلك، تعرض للسجن.
في عام 1973، غادر حربي الجزائر إلى فرنسا، حيث كرس نفسه للتدريس الجامعي والبحث الأكاديمي. ركز على دراسة تاريخ الجزائر الحديث، مستندًا إلى تجربته الشخصية كمشارك وشهود على الأحداث.
إسهاماته في الكتابة التاريخية والجدل حول جبهة التحرير الوطني
يُعتبر محمد حربي من أهم المؤرخين الجزائريين المعاصرين، وله العديد من المؤلفات المؤثرة. من بين أعماله البارزة مذكراته “حياة صمود” التي صدرت عام 2001.
أثار كتابه “جبهة التحرير الوطني: السراب والواقع”، الذي نُشر عام 1980، جدلاً واسعًا بسبب نقده الحاد لنظام الحزب الواحد. وقد قدم فيه تحليلاً شاملاً لدور الجبهة في فترة ما بعد الاستقلال، مما أثار نقاشات حول الذاكرة التاريخية والسياسة الجزائرية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم حربي في إثراء البحث الأكاديمي حول الحرب الجزائرية، وقدم رؤى جديدة حول الأسباب والنتائج والتداعيات. وقد تميزت كتاباته بالدقة والموضوعية والاعتماد على المصادر الأولية.
أثرت أعماله بشكل كبير على الأجيال اللاحقة من المؤرخين والباحثين الجزائريين، وساهمت في تعزيز الوعي الوطني والفهم العميق لتاريخ البلاد. كما ساهم في إبراز أهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتوثيق الأحداث التاريخية.
نعى العديد من الشخصيات السياسية والثقافية في الجزائر وفاة حربي، وأشادوا بإسهاماته الجليلة في خدمة الوطن. وقد عبروا عن حزنهم العميق لفقدان قامة من قامات الفكر والثقافة الجزائرية.
من المتوقع أن يتم تنظيم مراسم تأبين رسمية لمحمد حربي في الجزائر خلال الأيام القادمة. كما من المرجح أن تشهد أعماله إقبالاً متزايدًا من القراء والباحثين، وأن تظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. يبقى تقييم إرثه الكامل وتأثيره على الخطاب التاريخي الجزائري موضوعًا للبحث والنقاش المستمر.
