يشهد قطاع الثقافة في ليبيا اهتمامًا متزايدًا، ويتجلى ذلك في المبادرات المحلية التي تهدف إلى الحفاظ على التراث الإنساني. ومن بين هذه المبادرات، يبرز متحف جبل نفوسة كصرح ثقافي يعكس عمق تاريخ المنطقة وهويتها الفريدة. تأسس المتحف من خلال جهود تطوعية لسكان المنطقة، ويضم مجموعة قيمة من القطع الأثرية والتاريخية التي تعود إلى عصور مختلفة.
يقع متحف جبل نفوسة في المنطقة الجبلية التي تحمل الاسم نفسه، جنوب غرب ليبيا. بدأت فكرة تأسيسه في أوائل الثمانينيات، لكنها تجسدت على أرض الواقع بفضل تضافر جهود الشباب والمثقفين وأهالي المنطقة. يهدف المتحف إلى توثيق تاريخ المنطقة والحفاظ على هويتها الثقافية، ونقلها للأجيال القادمة.
أهمية متحف جبل نفوسة ودوره في الحفاظ على التراث الليبي
يحتوي المتحف على مجموعة متنوعة من المعروضات التي تصور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لسكان جبل نفوسة عبر التاريخ. من بين أبرز هذه المعروضات، معصرة زيتون تقليدية تُعرف محليًا باسم “أندور”، وهي تمثل نموذجًا فريدًا من قصور التخزين القديمة التي كانت تستخدم لحفظ الزيت والمنتجات الزراعية الأخرى. تسلط هذه المعروضات الضوء على الحرف اليدلية والمهارات التقليدية التي مارسها الأجداد.
بالإضافة إلى ذلك، يضم المتحف مقتنيات يعتقد أنها تعود إلى الحقبة الرومانية، والتي تشير إلى وجود حضارات قديمة في المنطقة. تشمل هذه المقتنيات أدوات منزلية وأواني فخارية وأجزاء من أعمدة معمارية، مما يوفر لمحة عن الحياة في تلك الفترة التاريخية. وتعتبر هذه الاكتشافات ذات أهمية بالغة للباحثين والمؤرخين.
دور المجتمع المحلي في إنشاء المتحف وتطويره
لم يكن إنشاء متحف جبل نفوسة مجرد مبادرة فردية، بل كان نتيجة لجهود جماعية وتعاون بين أفراد المجتمع المحلي. قام المتطوعون بجمع القطع الأثرية والتاريخية من منازلهم ومن المناطق المحيطة، وقاموا بترتيبها وعرضها في مكان مخصص. ويشكل هذا العمل التطوعي قيمة مضافة للمتحف، ويعكس مدى اهتمام السكان بتراثهم.
ومع ذلك، يواجه المتحف تحديات تتعلق بالتمويل والصيانة والتطوير. فالحفاظ على المقتنيات الأثرية يتطلب توفير ظروف تخزين مناسبة، وتنفيذ أعمال ترميم دورية. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج المتحف إلى دعم لتوسيع نطاق عروضه وتنظيم فعاليات ثقافية.
التحديات التي تواجه متحف جبل نفوسة وسبل دعمها
أحد أبرز التحديات التي تواجه المتحف هو نقص الدعم المالي والمؤسسي. ذكرت مصادر محلية أن المتحف يعتمد بشكل كبير على التبرعات الذاتية من أهالي المنطقة، وهو أمر غير كافٍ لضمان استمراره وتطويره. ويتطلب الأمر تدخلًا من الجهات الحكومية المعنية بصيانة ودعم المتاحف.
بالإضافة إلى التمويل، يحتاج المتحف إلى كوادر مؤهلة في مجال علم الآثار والتاريخ والثقافة. فوجود أمناء متاحف ومديرين ومتخصصين في الترميم والصيانة ضروري لضمان تقديم خدمات ذات جودة عالية للزوار والباحثين. كما أن تدريب الكوادر المحلية يمكن أن يساهم في بناء قدرات وطنية في هذا المجال. وتشير التقارير إلى الحاجة الماسة لتطوير البنية التحتية للمتحف.
ولكن، بالرغم من هذه التحديات، يظل متحف جبل نفوسة رمزًا للأمل والإبداع في المنطقة. فهو يمثل فرصة فريدة لتعزيز السياحة الثقافية في ليبيا، وتنمية الوعي بأهمية الحفاظ على التراث الإنساني. كما يمكن أن يساهم في خلق فرص عمل للشباب المحلي.
تعد منطقة جبل نفوسة وجهة سياحية واعدة، بفضل طبيعتها الخلابة وتاريخها العريق وثقافتها الغنية. يمكن لـ متحف جبل نفوسة أن يكون نقطة جذب سياحية رئيسية في المنطقة، وأن يجذب الزوار من ليبيا ومن الخارج.
في الختام، يتوقع أن يناقش المجلس البلدي لجبل نفوسة خططًا لتطوير المتحف خلال الأشهر القليلة القادمة، مع التركيز على الحصول على دعم مالي من الحكومة و المنظمات الدولية. يبقى التمويل والتوظيف المهاراتيين هما العاملين الحاسمين. وستراقب الجهات المعنية عن كثب التقدم المحرز في هذا المشروع الثقافي الهام، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها ليبيا.
