كشفت وثائق حديثة نشرتها وزارة العدل الأمريكية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بالمرحوم جيفري إبستين، وتحديداً اهتمامه بتمويل مشروع مثير للجدل يهدف إلى تحسين النسل وراثياً وتعديل الجينات البشرية. هذه القضية، التي تثير تساؤلات أخلاقية وعلمية عميقة، تلقي الضوء على جوانب مظلمة من أنشطة إبستين وتثير مخاوف بشأن مستقبل تعديل الجينات.
تعود المراسلات الإلكترونية إلى عام 2018، وتظهر تبادلاً بين إبستين وبرايان بيشوب، حيث سعى الأخير للحصول على تمويل لمشروع طموح يركز على تطوير تقنيات تعديل الجينات البشرية. أبدى إبستين استعداده لتقديم الدعم المالي، لكنه اشترط عدم الكشف عن هويته كداعم للمشروع علنًا.
تفاصيل مشروع “الأطفال المصممين”
وفقًا للرسائل، كان المشروع يتطلب تمويلاً سنويًا يقدر بنحو 1.7 مليون دولار لمدة خمس سنوات، بالإضافة إلى مليون دولار إضافية لتجهيز مختبر متخصص. أشار بيشوب إلى أن التجارب الأولية قد أجريت بالفعل على الفئران في مختبر في أوكرانيا، وشملت إجراء عمليات جراحية وحقن دقيقة بهدف تطوير تقنيات التعديل الوراثي قبل تطبيقها على البشر.
أعرب إبستين عن حماسه للمشروع، واصفًا فكرة زرع الجنين والانتظار تسعة أشهر بأنها “نهاية رائعة”. كما سعى بيشوب، الذي يصف نفسه بأنه من دعاة “ما بعد الإنسانية”، إلى إطلاق مشروع “الأطفال المصممين”، والذي يهدف إلى تعديل الخط الجرثومي البشري بشكل دائم لنقل صفات مرغوبة إلى الأجيال القادمة، مثل زيادة القوة البدنية ومقاومة الأمراض وإطالة العمر.
مخاوف أخلاقية وعلمية
أثار المشروع مخاوف أخلاقية وعلمية كبيرة، حيث انتقل من تعديل الخلايا المنتجة للحيوانات المنوية إلى تقنيات أقرب إلى الاستنساخ وتعديل الأجنة مباشرة. وحذر خبراء اطلعوا على الخطة من أن هذه الأبحاث تُجرى خارج الأطر الطبية والتنظيمية المعتمدة، مما يزيد من المخاطر المحتملة.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت المراسلات عن محاولات لتحويل المشروع إلى نشاط تجاري، من خلال التعاون مع عيادات خارجية وبيع مواد وراثية معدلة مقابل عمولات، والاستفادة من الثغرات القانونية في الولايات المتحدة وخارجها. هذا الجانب التجاري يثير تساؤلات حول دوافع المشروع وأهدافه الحقيقية.
وساطة جيريمي روبين وعلاقات إبستين
جاء التواصل بين إبستين وبيشوب بعد وساطة من جيريمي روبين، مطور “بيتكوين”، الذي وصف بيشوب بأنه “ذكي لكنه غريب الأطوار”. وعقدت عدة لقاءات بين الطرفين لمناقشة تفاصيل المشروع وآليات تنفيذه. هذا يكشف عن شبكة معقدة من العلاقات التي كانت تربط إبستين بشخصيات في مجالات مختلفة.
يأتي هذا التطور في وقت يلاحق فيه اسم إبستين تاريخ طويل من القضايا الجنائية. ففي عام 2020، رفعت النيابة العامة في جزر العذراء الأميركية دعوى تتهمه بإدارة شبكة واسعة للاتجار بالنساء والفتيات القاصرات على مدى أكثر من عقدين. أفادت السلطات بأن إبستين نقل ضحاياه إلى جزر خاصة في الكاريبي، حيث تعرضن للاعتداء الجنسي.
على الرغم من نفي بيشوب تلقي أي تمويل من إبستين، فإن المراسلات تشير إلى اهتمام واضح من الأخير بالمشروع، وهو ما يتوافق مع تصريحات سابقة نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز” عن رغبته في “نشر حمضه النووي داخل الجنس البشري”. كما أظهرت التقارير دعمه لأفكار “ما بعد الإنسانية” وتبرعه لمنظمات تروج لها.
تسلط هذه الوثائق الضوء على جانب جديد من أنشطة إبستين، يكشف عن طموحات علمية وتجارية خطيرة، امتزجت بسجل إجرامي حافل بالانتهاكات والاستغلال. التعديل الوراثي، في هذا السياق، يظهر كأداة محتملة للاستغلال وسوء الاستخدام.
من المتوقع أن تواصل السلطات الأمريكية التحقيق في هذه المراسلات وتحديد مدى تورط إبستين في تمويل هذا المشروع المثير للجدل. كما من المرجح أن تثير هذه القضية نقاشًا واسعًا حول الأخلاقيات المرتبطة بالتكنولوجيا الحيوية والاستنساخ، وضرورة وضع قوانين ولوائح صارمة لتنظيم هذه المجالات الحساسة. ستكون متابعة التطورات القانونية والعلمية المتعلقة بهذه القضية أمرًا بالغ الأهمية في الأشهر القادمة.
المصدر: ديلي ميل