يشهد العالم في الواحد والعشرين من ديسمبر من كل عام الانقلاب الشتوي، وهو أقصر يوم في السنة في نصف الكرة الشمالي. على الرغم من أن هذا الحدث الفلكي قد لا يحظى بنفس الاهتمام الذي كان عليه في الماضي، إلا أنه كان يحمل أهمية كبيرة لأسلافنا، سواء من الناحية الروحية أو العملية. يُعد الانقلاب الشتوي لحظة تحول فلكي، مرتبطة بتقاليد ثقافية واحتفالات عبر التاريخ.
يحدث الانقلاب الشتوي عندما ينحرف نصف الكرة الشمالي بعيدًا عن الشمس، بسبب ميل محور الأرض بزاوية 23.5 درجة. نتيجة لذلك، تصل الشمس إلى أدنى نقطة لها في السماء، مما يؤدي إلى أقصر نهار وأطول ليلة في العام. في عام 2025، وقع الانقلاب في الساعة 18:03 بتوقيت موسكو. بعد هذه اللحظة، يبدأ طول النهار في الزيادة تدريجياً، بينما يظهر الشمس وكأنها ثابتة في الأفق لفترة قصيرة.
أهمية الانقلاب الشتوي عبر التاريخ والثقافات
ما يُفهم اليوم كحدث فلكي، كان في الماضي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بدورة الحياة الطبيعية وانبعاث الشمس. تُظهر العديد من المواقع الأثرية حول العالم كيف كانت الحضارات القديمة تراقب وتُقدّر هذه الظاهرة الفلكية. تُشير الدراسات إلى أن هذه المواقع لم تكن مجرد مراصد، بل كانت أيضًا مراكز دينية واجتماعية.
معابد المراصد: تقاويم حجرية لاستقبال الشمس
تُعد مقبرة نيوجرانج في أيرلندا، التي يعود تاريخها إلى حوالي 2500 قبل الميلاد، مثالًا بارزًا على ذلك. خلال الانقلاب الشتوي، تخترق أشعة الشمس نافذة فوق المدخل وتضيء الغرفة المركزية لمدة 17 دقيقة. هذا الترتيب الدقيق يُظهر فهمًا متقدمًا لحركة الشمس.
وبالمثل، فإن ستونهنج في بريطانيا موجهة نحو غروب الشمس في يوم الانقلاب الشتوي. يعتقد علماء الآثار أن هذا الموقع كان بمثابة تقويم شمسي معقد، حيث كان الناس يجتمعون للاحتفال بانعطاف الشمس نحو الصيف. لا يزال هذا التقليد مستمرًا حتى اليوم، حيث يزور السياح ستونهنج لمشاهدة شروق الشمس في مركز الدائرة الحجرية القديمة.
وفي بلاد الرافدين، كانت الزكورات تُستخدم أيضًا لرصد انعطافات الشمس. كما توجد هياكل حجرية فريدة في روسيا، مثل تلك الموجودة في قرية فوزروجدينيه قرب غيليندجيك، والتي يعتقد أنها أقدم من أهرامات مصر وكانت مرتبطة بالطقوس الفلكية.
من عبادة الانقلاب الشتوي إلى تقاليد العيد
كانت فترة الانقلاب الشتوي ذات أهمية خاصة لدى الشعوب الجرمانية القديمة، حيث كانت تُعتبر وقتًا لتكريم الحياة الأبدية. للحماية من الأرواح الشريرة في أطول ليلة في السنة، كانوا يجلبون الأشجار دائمة الخضرة، وخاصة أشجار الصنوبر، إلى منازلهم. مع مرور الوقت، تطور هذا التقليد ليصبح أساس شجرة عيد الميلاد الحديثة، حيث يُعتقد أن الزخارف الساطعة تطرد الأرواح الشريرة.
أما لدى الشعوب السلافية، فكان عيد كوليدا يمثل ولادة الشمس الصغيرة. كان هذا العيد مصحوبًا بطقوس سحرية لتعزيز قوة الشمس وضمان حصاد جيد. تضمنت هذه الطقوس ارتداء أقنعة الحيوانات والطواف على المنازل مع الترانيم وإشعال النيران الطقسية.
وفي الدول الإسكندنافية، استمر عيد يول لمدة أسبوعين، وكان مخصصًا لإحياء ملك الشمس. كانت تُحرق جذوع يول الطقسية، وتُزين المساكن بالنباتات دائمة الخضرة، وتُقام الولائم الوفيرة. هذه التقاليد شكلت الأساس لتقاليد عيد الميلاد ورأس السنة الحالية.
تُظهر هذه الأمثلة كيف أن الانقلاب الشتوي، كحدث فلكي، قد أثر بعمق على الثقافات والتقاليد المختلفة عبر التاريخ. تُعد دراسة هذه التقاليد وسيلة لفهم كيف كانت الحضارات القديمة تنظر إلى العالم من حولها.
مع اقتراب نهاية العام، من المتوقع أن يستمر الاهتمام بالانقلاب الشتوي كجزء من احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر الأهمية التاريخية والثقافية لهذا الحدث الفلكي، وأن نقدر كيف شكلت معتقداتنا وتقاليدنا. ستستمر الأبحاث في المواقع الأثرية في الكشف عن المزيد من المعلومات حول كيفية احتفال الحضارات القديمة بهذا اليوم المميز، مما يثري فهمنا لتاريخنا المشترك.
