أظهرت دراسة حديثة أن العزوبية ليست مجرد خيار شخصي، بل تتأثر بمجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. وكشفت الدراسة، التي أجريت على عينة كبيرة من الشباب، عن وجود ارتباط قوي بين المستوى التعليمي، والحالة النفسية، وأنماط السكن وفرص الدخول في علاقة عاطفية مستقرة. هذه النتائج تلقي الضوء على التحديات التي يواجهها الشباب في العصر الحديث فيما يتعلق بتكوين علاقات.
قام فريق بحثي من جامعة زيورخ بمتابعة أكثر من 17 ألف شاب وشابة من المملكة المتحدة وألمانيا على مدى 13 عامًا، بدءًا من سن 16 وحتى 29 عامًا. هدفت الدراسة إلى تحديد العوامل التي تزيد أو تقلل من احتمالية الدخول في علاقة عاطفية طويلة الأمد، وفهم المسارات المختلفة التي يسلكها الأفراد في هذا المجال.
العوامل المؤثرة في استمرار العزوبية
أظهرت نتائج الدراسة أن الأشخاص الحاصلين على تعليم عالٍ كانوا أكثر عرضة لتأخير الدخول في علاقة عاطفية أو البقاء عازبين لفترة أطول. يعزو الباحثون ذلك إلى تركيز هذه الفئة على إكمال دراستها والتقدم في حياتها المهنية، مما قد يقلل من الوقت والطاقة المتاحين لبناء علاقات شخصية.
السكن والحياة الاجتماعية
بالإضافة إلى ذلك، تبين أن نمط السكن يلعب دورًا هامًا. فالعيش مع الوالدين أو بمفرده يزيد من احتمالية العزوبية، بينما يوفر السكن مع الأصدقاء أو زملاء السكن فرصًا أكبر للتعارف والتفاعل الاجتماعي، مما قد يؤدي إلى تكوين علاقات عاطفية. هذا يشير إلى أهمية البيئة الاجتماعية في تسهيل عملية التعارف.
الصحة النفسية والرضا عن الحياة
أشارت الدراسة أيضًا إلى وجود علاقة وثيقة بين الصحة النفسية والعزوبية. فالأفراد الذين يعانون من انخفاض في مستوى الرضا عن الحياة أو السعادة العامة كانوا أكثر عرضة للبقاء عازبين. كما لوحظ أن الرجال يميلون إلى البقاء عازبين لفترة أطول مقارنة بالنساء، على الرغم من أن هذا الفارق يقل مع مرور الوقت.
صرح مايكل كريمر، أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، بأن النتائج تؤكد أهمية العوامل الاجتماعية والنفسية في التنبؤ بمسارات العلاقات العاطفية. وأضاف أن هذه العوامل يمكن أن تساعد في فهم التحديات التي يواجهها الأفراد في العثور على شريك حياة.
ولم يقتصر البحث على تحديد العوامل المرتبطة بالعزوبية، بل امتد أيضًا إلى دراسة تأثير العزوبية الطويلة على الصحة النفسية. وقارنت الدراسة بين الأفراد الذين بقوا عازبين لفترة طويلة وأولئك الذين دخلوا في علاقات عاطفية خلال فترة الشباب، من حيث الرضا عن الحياة والشعور بالوحدة ومستويات الاكتئاب.
أظهرت النتائج أن العازبين لفترات طويلة يعانون من انخفاض أكبر في الرضا عن الحياة وزيادة في الشعور بالوحدة، خاصة في أواخر العشرينات. كما لوحظ ارتفاع في مستويات الاكتئاب لدى هذه الفئة. ومع ذلك، فقد سجل الباحثون تحسنًا ملحوظًا في الحالة النفسية للأفراد بمجرد دخولهم في أول علاقة عاطفية، وهو ما ينطبق على كل من الرجال والنساء.
وأشار كريمر إلى أن البقاء عازبًا لفترة طويلة في بداية مرحلة البلوغ يرتبط بمخاطر نفسية متوسطة، لكن هذه المخاطر تزداد مع استمرار العزوبية. كما أضاف أن الدخول في أول علاقة عاطفية قد يصبح أكثر صعوبة في أواخر العشرينات، خاصة مع تدهور الصحة النفسية، مما قد يؤدي إلى إطالة أمد العزوبية.
تعتبر هذه الدراسة إضافة مهمة إلى فهم العوامل المعقدة التي تؤثر في العلاقات العاطفية. وتشير إلى أن العزوبية ليست مجرد مسألة اختيار شخصي، بل تتأثر بمجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية التي تتطلب اهتمامًا ودعمًا من المجتمع. من المتوقع أن تستمر الأبحاث في هذا المجال لاستكشاف المزيد من التفاصيل حول هذه الظاهرة المتنامية، وتقديم توصيات لمساعدة الشباب على بناء علاقات صحية ومستقرة. كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا بفهم تأثير التغيرات الاجتماعية والاقتصادية على أنماط العلاقات العاطفية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة وتأخر سن الزواج.
المصدر: ديلي ميل