أثار اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” (صومالي لاند) جدلاً واسعاً على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما يهدد الاستقرار في منطقة باب المندب ويُثير تساؤلات حول الأهداف الإسرائيلية من وراء هذه الخطوة. يأتي هذا الاعتراف في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة، خاصةً مع استمرار الصراع في غزة وتأثيره على الملاحة البحرية. وتعتبر هذه القضية بمثابة تحدٍ جديد للأمن القومي المصري.
وقّع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، ورئيس جمهورية أرض الصومال إعلاناً مشتركاً بالاعتراف المتبادل، وفقاً لما أعلن مكتب نتنياهو عبر منصة “إكس” يوم الجمعة. يأتي هذا الإعلان في سياق سعي إسرائيل لتعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وربما كجزء من استراتيجية أوسع نطاقاً مرتبطة باتفاقيات إبراهيم.
الخلفية الاستراتيجية لـ “أرض الصومال” وأهمية باب المندب
تعتبر “أرض الصومال” منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث تقع بالقرب من مدخل باب المندب، وهو ممر مائي حيوي للتجارة العالمية. وفقاً للواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري السابق، فإن إسرائيل تعرضت لـ “خنق” في حروب سابقة بسبب السيطرة على هذا المضيق، تحديداً خلال حرب أكتوبر 1973، وعندما أوقف الحوثيون الملاحة في باب المندب دعماً لغزة.
لذلك، تسعى إسرائيل إلى إيجاد موطئ قدم ثابت في المنطقة لضمان عدم انقطاع خطوط الإمداد، خاصةً إلى ميناء إيلات. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تخطط لتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية لـ “أرض الصومال” لتعزيز قدراتها كدولة، مقابل الحصول على نفوذ في المنطقة.
تداعيات الاعتراف الإسرائيلي على مصر والأمن الإقليمي
يرى اللواء سمير فرج أن الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي والاقتصادي المصري. فوجود إسرائيل بالقرب من باب المندب قد يؤثر سلباً على حركة الملاحة في قناة السويس، التي تعتبر شرياناً حيوياً للاقتصاد المصري.
بالإضافة إلى ذلك، يخشى مراقبون من أن تستغل إسرائيل هذا الوضع لترحيل الفلسطينيين من غزة إلى “أرض الصومال”، وهو ما أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه “خط أحمر”. ويعتقد البعض أن نتنياهو يسعى لعرقلة المرحلة الثانية من اتفاق السلام في غزة من خلال استغلال هذه الفرصة.
وقد لاقى هذا الاعتراف رفضاً قاطعاً من عدة دول، بما في ذلك مصر وتركيا وجيبوتي والصومال، بالإضافة إلى مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية. وتعتبر الحكومة الصومالية هذا الاعتراف “اعتداءً على السيادة”.
ردود الفعل الدولية والخطوات المتوقعة
تضامنت العديد من الدول الإفريقية والعربية مع الصومال في رفضها للاعتراف الإسرائيلي. وتشير التقارير إلى أن جيبوتي وكينيا وتنزانيا وأوغندا وقطر قد أعربت عن دعمها لموقف الصومال.
من المتوقع أن يناقش مجلس الأمن الدولي هذا الموضوع في جلسة طارئة يوم الاثنين 29 ديسمبر. ويرى خبراء أن هناك ضغوطاً دولية متزايدة على إسرائيل للعدول عن هذا القرار، أو على الأقل لتقديم تفسيرات مقنعة لأهدافها من وراءه.
يذكر أن “أرض الصومال” لم تحظ باعتراف دولي واسع النطاق، باستثناء إثيوبيا التي اعترفت بها بشكل مشروط بهدف الوصول إلى منفذ مائي، وإسرائيل التي أعلنت اعترافها بشكل رسمي. وتسعى إثيوبيا إلى إنشاء قاعدة لها في ميناء بربرة في “أرض الصومال”.
وفي سياق منفصل، أكد اللواء سمير فرج أن مصر ستنشر قوات عسكرية في الصومال في يناير 2026، وذلك في إطار جهود منظمة الوحدة الإفريقية لحفظ الأمن والاستقرار في البلاد، وليس لأغراض عسكرية. ويرى أن منظمة الوحدة الإفريقية يجب أن تتخذ قراراً لتقويض الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال”.
من المتوقع أن تتصاعد الجهود الدبلوماسية خلال الأيام القادمة لحل هذه الأزمة. وسيكون من المهم مراقبة رد فعل إسرائيل على الضغوط الدولية، وموقف منظمة الوحدة الإفريقية، وتطورات الأوضاع في غزة. يبقى مستقبل “أرض الصومال” والمنطقة بشكل عام غير واضحاً، ويتوقف على التوازنات السياسية والإقليمية المعقدة.
