أعلنت إسبانيا رسمياً رفضها المشاركة في “مجلس السلام” الذي تقترحه الولايات المتحدة بشأن قطاع غزة، مؤكدةً التزامها الراسخ بالنظام العالمي المتعدد الأطراف والقانون الدولي. يأتي هذا الرفض في ظل تباين المواقف الدولية حول المبادرة الأمريكية، والتي تهدف إلى إيجاد حلول للوضع في غزة بعد الحرب المستمرة.
القرار الإسباني، الذي أبلغ به رئيس الحكومة الإسبانية نظراءه، يضع المزيد من الضوء على التحديات التي تواجهها واشنطن في حشد دعم دولي واسع النطاق للمجلس. وتشير التقارير إلى أن العديد من الدول الأخرى أعربت عن تحفظاتها أو رفضت المشاركة بشكل قاطع، مما يثير تساؤلات حول فعالية المبادرة وقدرتها على تحقيق أهدافها.
موقف إسبانيا من مجلس السلام و مستقبل غزة
أوضحت الحكومة الإسبانية أن رفضها للمشاركة لا يمثل انتقاصاً من الجهود المبذولة لتحقيق السلام، بل هو تعبير عن قناعتها بأن مستقبل فلسطين يجب أن يحدده الشعب الفلسطيني بنفسه. وأكدت على ضرورة حل قضايا التعايش السلمي والأمن بين فلسطين وإسرائيل من خلال الحوار المباشر بين الطرفين، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي قد تعيق التوصل إلى حل عادل ومستدام.
وتعتبر إسبانيا من الدول الأوروبية التي تدعم بقوة حل الدولتين كإطار أساسي لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ويتماشى هذا الموقف مع رؤية العديد من القوى الدولية والإقليمية، التي ترى أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، إلى جانب إسرائيل، هي الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
ردود الفعل الدولية على مبادرة “مجلس السلام”
أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقاً عن تشكيل هذا “مجلس السلام” ودعت رؤساء نحو 50 دولة للمشاركة في أعماله. وقد تلقت العديد من الدول الدعوة، وأبدت بعضها موافقة مبدئية، بينما رفضت أخرى المشاركة بشكل قاطع.
وفقاً للمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، فقد تلقت واشنطن موافقة من 20 إلى 25 دولة على المشاركة في المجلس. إلا أن هذا العدد لا يزال أقل بكثير من الدعم الذي كانت تأمل واشنطن في الحصول عليه.
فرنسا، على سبيل المثال، من المتوقع أن ترفض دعوة المشاركة، وفقاً لمتحدث باسم الرئاسة الفرنسية. بينما أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن بلادها لن توقع على ميثاق المجلس بسبب مخاوف من مشاركة روسيا.
بالإضافة إلى إسبانيا، أعلنت السويد والنرويج وإيطاليا أيضاً رفضها للمشاركة في المبادرة. أما الصين والهند، فقد لم تصدرا أي موقف رسمي حتى الآن، مما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال تغيير موقفيهما في المستقبل. هذه التطورات تعكس حالة من عدم الثقة والتشكيك في الأهداف الحقيقية للمجلس، خاصةً في ظل الانقسامات السياسية العميقة التي تشهدها الساحة الدولية.
الخلافات حول تشكيلة المجلس، ومشاركة دول تعتبرها بعض الأطراف غير محايدة، مثل روسيا، قد تكون من بين الأسباب الرئيسية وراء هذا الرفض الواسع. ويرى البعض أن المبادرة الأمريكية تهدف إلى تهميش دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في عملية السلام، وفرض رؤية أحادية الجانب للحل.
حل الدولتين يظل الخيار الأكثر تداولاً على الساحة الدولية، لكن تطبيقه يواجه عقبات كبيرة، بما في ذلك استمرار البناء الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والانقسامات الداخلية الفلسطينية، وعدم وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية للتوصل إلى اتفاق نهائي. الوضع في غزة يتطلب جهوداً دولية مكثفة لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وإعادة الإعمار، وتحقيق المصالحة الفلسطينية. المصالحة الفلسطينية تعتبر شرطاً أساسياً لنجاح أي مبادرة سلام، حيث لا يمكن التوصل إلى حل مستدام دون وجود حكومة فلسطينية موحدة تمثل جميع الفلسطينيين.
من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في محاولاتها لحشد الدعم لمجلس السلام، وقد تقدم بعض التنازلات أو التعديلات على المبادرة بهدف إقناع المزيد من الدول بالمشاركة. ومع ذلك، يبقى مستقبل المجلس غير واضح، ويتوقف على قدرة واشنطن على معالجة المخاوف والتحفظات التي أبدتها الدول الأخرى.
في الأيام والأسابيع القادمة، ستكون الأنظار متجهة إلى ردود الفعل الرسمية من الصين والهند، وإلى أي تطورات جديدة في موقف الدول الأوروبية الأخرى. كما سيكون من المهم متابعة أي مبادرات إقليمية جديدة تهدف إلى تحقيق السلام في المنطقة، وتقييم مدى تأثيرها على الوضع في غزة.
