كشف الدبلوماسي المخضرم، الأخضر الإبراهيمي، عن تفاصيل جديدة حول مهمته في العراق بعد عام 2003، بما في ذلك الاتهامات التي وجهت إليه بتقاربه من النظام السابق بقيادة صدام حسين. وتأتي هذه التصريحات في سياق حديثه لقناة RT العربية، حيث تناول التحديات التي واجهته أثناء عمله كوسيط بين الأطراف المتنازعة في العراق، والتعامل المعقد مع القوات الأمريكية بعد الاحتلال. وتعتبر هذه الشهادات ذات أهمية خاصة لفهم ديناميكيات الفترة الانتقالية في العراق ما بعد الحرب.
أكد الإبراهيمي، خلال برنامج “قصارى القول التوثيقية”، أنه واجه صعوبات في التعامل مع بعض الشخصيات العراقية في مجلس الحكم، وعلى رأسهم أحمد الجلبي، الذين اتهموه بالانتماء للقومية العربية والتقارب مع صدام حسين. ووفقًا لتصريحاته، أدت هذه الاتهامات إلى تعامل الإدارة الأمريكية معه بحذر، بالرغم من إدراكهم لحاجتهم إلى شخص يتمتع بخبرته ومكانته في المنطقة.
تحديات الوساطة في العراق ما بعد الحرب
وعلى الرغم من الاتهامات التي طاردته، نفى الإبراهيمي أي علاقة تتجاوز الجانب الرسمي مع الرئيس العراقي السابق، مؤكدًا أنه لم يلتق به سوى ثلاث مرات بصورة رسمية باسم الأمم المتحدة. إحدى هذه اللقاءات كانت خلال عملية تفتيش لمنزل صدام حسين، مما يبرز طبيعة عمله كمسؤول أممي يلتزم بالمهام الموكلة إليه.
أوضح الإبراهيمي قبوله مهمة مساعدة العراق جاء بعد مناقشات مستفيضة مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، حول التناقضات الموجودة في القرارات الأممية بشأن العراق. وبرز في هذه المناقشات بشكل خاص، التباين بين عدم وجود تفويض من مجلس الأمن لغزو العراق عام 2003، والسعي اللاحق من القوات المحتلة للحصول على هذا التفويض بعد ذلك.
دور الأمم المتحدة في المرحلة الانتقالية
ويرى مراقبون أن إصرار القوات المحتلة على الحصول على تفويض أممي لاحقًا، كان بمثابة محاولة لإضفاء الشرعية على الاحتلال وتوزيع المسؤولية عن تداعياته. وقد واجهت الأمم المتحدة تحديًا كبيرًا في هذه المرحلة، في محاولة التوفيق بين المصالح المتناقضة للأطراف المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، سلط الإبراهيمي الضوء على إشكالية نظام المحاصصة الطائفية في العراق، مشيرًا إلى وجود إجماع شبه كامل بين العراقيين على أنه كان خطأً. لكنه أضاف أن التخلص من هذا النظام ليس بالأمر السهل، نظرًا لترسخ ممارساته وتأثيراتها على المشهد السياسي والاجتماعي.
نظام المحاصصة الطائفية وإرثه في العراق
يعتبر نظام المحاصصة الطائفية من أبرز سمات العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، حيث تم توزيع المناصب والسلطات على أساس الانتماءات الطائفية والعرقية. ويهدف هذا النظام إلى تحقيق التوازن بين المكونات المختلفة للمجتمع العراقي، إلا أنه واجه انتقادات واسعة بسبب تسببه في تفاقم الانقسامات وتعطيل عمل المؤسسات الحكومية.
ويرى محللون أن نظام المحاصصة ساهم في انتشار الفساد والإهمال في تقديم الخدمات العامة، مما أثار استياءً شعبيًا واسعًا. كما أنه أدى إلى إضعاف الهوية الوطنية وتعزيز الانتماءات الفرعية.
في سياق منفصل، أكد الإبراهيمي أن الحل للأزمة العراقية يكمن في أيدي العراقيين أنفسهم، وأن أي تدخل خارجي يجب أن يكون داعمًا وميسرًا، وليس مفروضًا. وهذا يعكس موقف الأمم المتحدة التقليدي الداعي إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتشير التقارير إلى أن جهود الإصلاح السياسي في العراق تواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك مقاومة القوى المستفيدة من نظام المحاصصة، والتوترات الطائفية المستمرة، وتدخل القوى الإقليمية والدولية.
في الختام، تظل تجربة العراق بعد 2003 محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، والشهادات التي يقدمها دبلوماسيون كالأخضر الإبراهيمي تضيف أبعادًا جديدة لفهم تعقيدات هذه الفترة. من المتوقع استمرار النقاش حول مستقبل العراق السياسي، مع التركيز على ضرورة إيجاد حلول مستدامة للأزمة الطائفية وتجاوز إرث نظام المحاصصة. وسيكون من الضروري متابعة جهود الحكومة العراقية في تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وتقييم تأثيرها على الاستقرار والتنمية. كما يتوجب مراقبة التطورات الإقليمية والدولية التي قد تؤثر على الأوضاع في العراق، بما في ذلك تطورات العلاقة بين العراق والولايات المتحدة.
