في قلب جبال نفوسة الليبية، تكمن حكايات قرى مهجورة تشهد على تحولات تاريخية واجتماعية عميقة. إحدى هذه القصص هي قصة رقرق، القرية التي لم تولد دفعة واحدة، بل نشأت من تجمعات سكانية نزحت سعيًا للأمن والاستقرار. يتحدث عاشور زلطاف، أحد سكان المنطقة، عن تفاصيل هذه القرية التي لم تعد مأهولة، لكنها لا تزال حية في الذاكرة.
تقع رقرق في منطقة جبلية يصعب الوصول إليها، وقد كانت ملاذًا آمنًا لسكانها في فترات مضطربة من التاريخ الليبي. نشأت القرية في سبعينيات القرن الماضي نتيجة لهجرة سكان من قرى مجاورة أصغر، بعد أن أصبحت طرق الوصول إلى تلك القرى غير آمنة، وبدأ التوسع العمراني في المناطق الأعلى من الجبل. هذه العوامل ساهمت في إفراغ رقرق من سكانها تدريجيًا.
تاريخ تأسيس رقرق وأسباب الهجرة
لم تكن رقرق قرية تقليدية نشأت من خلال التخطيط الحضري. بل كانت نتاجًا طبيعيًا لظروف قاسية دفعت الناس للبحث عن الأمان. وفقًا لروايات السكان المحليين، كانت المنطقة تضم عددًا من القرى الصغيرة المتناثرة، والتي تعرضت للتهجير بسبب الحروب والصراعات القبلية والأوبئة المتكررة. هذه القرى – مثل أتار أبو كار وأتار طيسحاق – فقدت سكانها تدريجيًا، تاركةً وراءها أطلالًا.
ساهم اختيار الموقع الجبلي في حماية القرية من خطر قطاع الطرق، حيث كان الوادي يعتبر أكثر عرضة للخطر. يوفر الجبل حاجزًا طبيعيًا، بينما يوفر وادي الريحان، الذي يقع بالقرب من رقرق، مصدرًا أساسيًا للمياه والنباتات. هذا التضافر بين الأمان والموارد الطبيعية جعل المنطقة مقصودة من قبل الباحثين عن حياة بسيطة ومستقرة.
الحياة في رقرق قبل الهجرة
على الرغم من صغر حجمها، كانت رقرق تتميز بتماسكها الاجتماعي. لم تتعدَ القرية خمسين بيتًا، لكن هذا الحجم الصغير ساهم في تعزيز العلاقات بين السكان. كانت الحياة تعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات، حيث كان السكان يزرعون الأرض ويستفيدون من موارد الوادي. وفقًا لزلطاف، كانت الغنى في رقرق يقاس بالعلاقات الإنسانية، لا بالثروة المادية.
كانت القرية تعتمد على الآبار كمصدر رئيسي للمياه، ولا توجد بها أي بنية تحتية حديثة مثل الصهاريج أو شبكات الأنابيب. هذا الاعتماد على الموارد الطبيعية جعل سكان رقرق أكثر وعيًا بأهمية الحفاظ على البيئة. بالإضافة إلى ذلك، كان المجتمع يعتمد على التعاون والتكافل في تلبية احتياجاتهم اليومية.
تغير الظروف وبداية النهاية
بدأت ملامح الحياة في رقرق تتغير تدريجيًا مع تحسن الطرق وظهور الحياة الحديثة. منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ السكان في التفكير في الانتقال إلى المناطق الأعلى من الجبل، حيث يسهل الوصول إلى الخدمات والمرافق. هذا التحول لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل كان نتيجة طبيعية لتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
مع الوقت، أُغلقت الأبواب، وصمتت البيوت، وتركت رقرق خلفها. لم يرجع الكثير من الذين غادروا القرية، وتلاشى أثرها تدريجيًا. لم يكن هذا التخلي عن رقرق بمثابة نسيان لها، بل كان تحولًا في طريقة التعايش معها. فقد أصبحت القرية رمزًا للذاكرة والتاريخ، ومكانًا يروي حكايات الماضي.
أصبح الاهتمام بذاكرة هذه القرى جزءًا من الحفاظ على التراث الليبي، حيث تُعتبر شواهد على الصمود والتكيف مع الظروف القاسية. يرى المهتمون بالشأن التاريخي أن الحفاظ على قصص هذه القرى يساعد في فهم التحديات التي واجهها المجتمع الليبي عبر العصور.
اليوم، لا تزال رقرق قائمة كأطلال تشهد على تاريخ المنطقة. يزورها السكان المحليون والمهتمون بالتاريخ في رحلات استكشافية، يستذكرون فيها حكايات الأجداد ويتأملون في تحولات الزمن. هذه الزيارات تساعد في إحياء ذكرى رقرق، وإبقائها حية في الذاكرة.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تشهد المنطقة جهودًا إضافية لتوثيق تاريخ هذه القرى ووضعها على الخريطة السياحية. تسعى بعض المبادرات المحلية إلى ترميم بعض المنازل التقليدية وتحويلها إلى متاحف أو معارض فنية، بالإضافة إلى تنظيم فعاليات ثقافية تعبر عن تاريخ المنطقة. ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل والدعم اللوجستي.
