يشهد اليمن تطورات متسارعة في جنوب البلاد، حيث يزداد الحديث عن إمكانية استعادة دولة الجنوب المستقلة. وتأتي هذه التطورات في ظل سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق واسعة، وتصاعد المطالب الشعبية بالانفصال، مما يجعل قضية الاستقلال الجنوبي محور اهتمام إقليمي ودولي. وتعتبر هذه القضية معقدة، تتداخل فيها أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية وأمنية.
في الأشهر الأخيرة، وسّع المجلس الانتقالي الجنوبي نفوذه ليشمل محافظات حضرموت والمهرة، بالإضافة إلى مناطق أخرى في جنوب شرق اليمن. وقد جاء هذا التقدم العسكري، وفقًا لمصادر إعلامية يمنية، مع مقاومة محدودة من القوات الحكومية، ويعكس دعمًا شعبيًا متزايدًا للمجلس في هذه المناطق.
تصاعد المطالب بالاستقلال الجنوبي
يعود تاريخ المطالبة بالاستقلال الجنوبي إلى حقبة ما قبل الوحدة اليمنية عام 1990. ويرى الجنوبيون أن الوحدة لم تحقق التطلعات المرجوة، وأنهم عانوا من التهميش والإقصاء في مختلف المجالات. وقد تجسدت هذه المشاعر في مظاهرات حاشدة شهدتها مدن جنوبية في ديسمبر 2025، طالب فيها ملايين الجنوبيين بإقامة دولة مستقلة.
وقد شهدت هذه المظاهرات، بالإضافة إلى التجمعات الداخلية، تنظيم فعاليات في عواصم أوروبية، حيث عبر أبناء الجالية اليمنية عن دعمهم لمطالب الاستقلال، وحذروا من تمدد الجماعات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة وداعش، بالإضافة إلى جماعة الإخوان والحوثيين. وطالبوا المجتمع الدولي بالاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم.
الأبعاد الجيوسياسية والأمنية
تكتسب قضية الاستقلال الجنوبي أهمية جيوسياسية كبيرة، نظرًا لموقع اليمن الاستراتيجي على البحر الأحمر وخليج عدن، والذي يعتبر ممرًا حيويًا للتجارة العالمية. ويؤكد مراقبون أن استقرار الجنوب يمثل ضرورة لضمان أمن الملاحة الدولية وحماية المصالح الاقتصادية العالمية.
وعلى عكس المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي من تحقيق قدر من الاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها، من خلال مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن. وتشير التقارير إلى أن المجلس قام بعمليات عسكرية ناجحة ضد تنظيم القاعدة، مثل عملية “سهام الشرق” في محافظة أبين عام 2022، وعملية أخرى في ديسمبر 2025، مما ساهم في تحسين الوضع الأمني في الجنوب.
ومع ذلك، تواجه هذه التطورات تحذيرات من السعودية، التي دعت إلى انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من محافظتي حضرموت والمهرة. وتأتي هذه التحذيرات في إطار جهود المملكة للحفاظ على وحدة اليمن، ومنع التصعيد في المنطقة. في المقابل، يرى قادة المجلس أن هذه الخطوات ضرورية لحماية سيادة الجنوب ومواجهة التهديدات الإقليمية والإرهابية.
تأثيرات محتملة للاستقلال الجنوبي
يرى بعض المحللين السياسيين أن إقامة دولة جنوبية مستقلة قد تكون عاملاً للاستقرار في المنطقة، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه اليمن. ويشيرون إلى أن الجنوب يتمتع بموارد اقتصادية واعدة، مثل النفط، والتي يمكن أن تساهم في تحقيق التنمية والازدهار.
بينما يرى آخرون أن الاستقلال قد يؤدي إلى تفاقم الصراعات وتقسيم اليمن، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة. ويؤكدون على أهمية الحفاظ على وحدة اليمن، والتوصل إلى حل سياسي شامل يضمن حقوق جميع اليمنيين.
تعتبر قضية الاستقلال الجنوبي من القضايا المعقدة التي تتطلب معالجة دقيقة وحوارًا بناءً بين جميع الأطراف المعنية. ويتوقف مستقبل اليمن على قدرة هذه الأطراف على التوصل إلى اتفاق يضمن الأمن والاستقرار والازدهار لجميع اليمنيين. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من المفاوضات والتشاورات بين الأطراف اليمنية، بدعم من المجتمع الدولي، بهدف إيجاد حل لهذه القضية الشائكة. يبقى الوضع في حضرموت والمهرة، ورد فعل الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي على تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، نقطة مراقبة رئيسية في التطورات القادمة.
