أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن استعداده للوساطة في نزاع سد النهضة الإثيوبي بين مصر وإثيوبيا والسودان، معتبراً ذلك جزءاً من جهوده الأوسع لتهدئة الصراعات الإقليمية. جاء هذا الإعلان في مؤتمر صحفي مساء الثلاثاء، حيث أشار ترامب إلى أنه يرى في هذا النزاع فرصة لإثبات قدرته على حل المشاكل المعقدة، خاصةً وأن إدارته السابقة كانت متورطة بشكل ما في تمويل المشروع. هذا العرض يثير تساؤلات حول دوافعه الحقيقية واحتمالات نجاحه في ظل تعقيدات القضية.
وقد أرسل ترامب بالفعل رسائل إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، بالإضافة إلى مسؤولين إثيوبيين، يعرب فيها عن رغبته في لعب دور الوسيط. ووفقاً لـ RT، أعرب السيسي والبرهان عن ترحيبهما بالمبادرة، مؤكدين على أهمية التوصل إلى حل عادل ومستدام يضمن حقوق جميع الأطراف.
خلفية أزمة سد النهضة الإثيوبي
يعود تاريخ أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى عام 2011، عندما بدأت إثيوبيا في بناء السد على النيل الأزرق. تخشى مصر من أن يؤدي ملء السد وتشغيله إلى تقليل حصتها من مياه النيل، مما قد يؤثر على الزراعة وإمدادات المياه الحيوية. تعتبر مصر النيل شريان حياتها، وتعتمد عليه بشكل كبير في توفير المياه العذبة.
من جهتها، ترى إثيوبيا أن السد ضروري لتوليد الطاقة الكهرومائية وتلبية احتياجاتها التنموية. وتؤكد أن السد لن يضر بمصر أو السودان، وأنها ملتزمة بالتعاون معهما للتوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد. وقد استضافت العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، جولات من المفاوضات بين الأطراف الثلاثة، لكنها لم تسفر عن نتائج حاسمة.
انتقادات ترامب لتمويل السد السابق
أبدى ترامب استياءه من تمويل الولايات المتحدة لسد النهضة في الماضي، متسائلاً عن المنطق وراء هذا الدعم. وقال: “من دفع ثمن السد؟ الولايات المتحدة. لماذا فعلنا ذلك؟ لا أعتقد أنه كان رئيساً جمهورياً بل كان ديمقراطياً”، واصفاً تمويل السد والسماح بإقامته بالأمر “الفظيع”. هذه التصريحات قد تعكس محاولة من ترامب للتمييز بين سياسات إدارته والإدارات السابقة، وربما إلقاء اللوم على الديمقراطيين في تفاقم الأزمة.
ويرى ترامب أن السد هو الأكبر في العالم، وأن مصر تعاني بالفعل من نقص المياه. وأكد على أن مصر تحتاج إلى مياه النيل لتلبية احتياجاتها المتزايدة في مختلف المجالات. هذه النقطة تتوافق مع المخاوف المصرية المعلنة بشأن تأثير السد على إمدادات المياه.
موقف الأطراف المعنية
أكد الرئيس السيسي في رسالة إلى ترامب حرص مصر على التعاون البناء مع دول حوض النيل، مع الالتزام بمبادئ القانون الدولي. وشدد على أهمية التوصل إلى اتفاق يحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف، دون إلحاق الضرر بأي منها. هذا الموقف يعكس رغبة مصر في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة، مع الحفاظ على حقوقها المائية.
من جانبه، رحب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بمبادرة ترامب، معرباً عن أمله في أن تؤدي إلى حلول مستدامة ومرضية تحفظ حقوق جميع الأطراف. وأشار إلى أن هذا الحل سيساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. السودان، الذي يقع أيضاً في حوض النيل، يعتبر طرفاً رئيسياً في هذه القضية، ويسعى إلى تحقيق التوازن بين مصالحه ومصالح جيرانه.
تعتبر قضية تقاسم مياه النيل من القضايا الحساسة والمعقدة في المنطقة، وتتطلب حواراً بناءً وتعاوناً صادقاً بين جميع الأطراف. كما أن تدخل أطراف خارجية، مثل الولايات المتحدة، يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً أو سلبياً في حل الأزمة، اعتماداً على مدى حيادية وشفافية هذه الأطراف.
بالإضافة إلى سد النهضة، أشار ترامب إلى جهوده السابقة في التوسط في صراعات أخرى، مثل تلك بين إسرائيل وإيران وباكستان والهند وأرمينيا وأذربيجان وكمبوديا وتايلاند. وهذا يعكس رغبته في إبراز دوره كصانع سلام على الساحة الدولية.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من التشاور والتنسيق بين الأطراف المعنية، بهدف تحديد آليات العمل والخطوات اللازمة لتفعيل وساطة ترامب. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من العقبات والتحديات التي قد تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي، بما في ذلك الخلافات حول مدة ملء السد وحجم المياه التي سيتم تخصيصها لكل دولة. يبقى الوضع متيناً ويستدعي متابعة دقيقة.
