شهدت مدينة الفاشر في دارفور السودانية، منذ أكتوبر 2025، وضعًا إنسانيًا وأمنيًا كارثيًا بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، إثر حصار استمر لأكثر من 500 يوم. التحقيقات الأخيرة كشفت عن أدلة مقلقة تشير إلى انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين، بما في ذلك عمليات القتل والاغتصاب والاعتقال التعسفي، وتدمير الأدلة، مما يثير مخاوف جدية بشأن جرائم حرب محتملة. هذا الوضع المعقد يلقي بظلاله على مستقبل المدينة وسكانها.
وتستند هذه المعلومات إلى شهادات من ناجين ومواطنين ما زالوا داخل الفاشر، بالإضافة إلى مصادر ميدانية مستقلة. تشير التقارير إلى وجود مقابر جماعية يُشتبه في أنها تحتوي على جثث ضحايا العنف، مما يعزز الاتهامات الموجهة لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. الوضع يتطلب تحقيقًا دوليًا شفافًا ومستقلاً.
الوضع الإنساني في الفاشر: تفاقم الأزمة
تدهور الوضع الإنساني في الفاشر بشكل حاد منذ سيطرة قوات الدعم السريع. أفادت مصادر طبية بوجود أكثر من ألف مصاب بالقصف المدفعي والمسيرات، يعانون من نقص حاد في الغذاء والماء والرعاية الصحية. كما انتشرت الأمراض المعدية مثل الكوليرا وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء.
بالإضافة إلى ذلك، فرضت قوات الدعم السريع قيودًا صارمة على الاتصالات، وحظرت استخدام الإنترنت الفضائي “ستار لينك” بهدف عزل السكان عن العالم الخارجي. يسمح فقط لفرقها الإعلامية بالعمل، مما يعيق وصول المعلومات الحقيقية إلى المنظمات الدولية ووسائل الإعلام.
مواقع الاعتقال والاحتجاز
تشير الشهادات إلى أن قوات الدعم السريع أنشأت شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز داخل الفاشر. تشمل هذه المواقع جامعة الفاشر، ومقر سكني يعود لرئيس السلطة الإقليمية السابق، بالإضافة إلى جامع الدرجة الأولى ومقر بعثة اليوناميد السابق. تُستخدم هذه المواقع لاحتجاز المدنيين دون أي إجراءات قانونية، وتعريضهم للتعذيب والقتل والاغتصاب.
كما تم تحويل مستشفى الأطفال إلى سجن، حيث يُحتجز فيه حوالي ألفي شخص، بينهم وزيرة الصحة بولاية شمال دارفور، والعشرات من الكوادر الطبية وموظفي الخدمة المدنية وقيادات أهلية وأساتذة جامعيين. هذا التحويل يفاقم الأزمة الصحية ويحرم الأطفال من حقهم في العلاج.
الابتزاز المالي والاختفاء القسري
تتهم قوات الدعم السريع بممارسة الابتزاز المالي ضد عائلات المعتقلين. يقوم عناصر الدعم السريع بتصوير أبناء المعتقلين أو تسجيل رسائل صوتية لهم، ثم إرسالها إلى أحد أفراد الأسرة للمطالبة بفدية مالية مقابل إطلاق سراحهم. في بعض الحالات، يتم دفع الفدية دون الإفراج عن المعتقلين، وتستمر عملية الابتزاز باستخدام محتجزين آخرين.
بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى حالات اختفاء قسري واسعة النطاق. يختفي المدنيون بعد اعتقالهم، ولا يُعرف مصيرهم. هذا الأمر يثير مخاوف جدية بشأن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
أدلة على إخفاء الجرائم في الفاشر
تظهر أدلة متزايدة على أن قوات الدعم السريع تحاول إخفاء جرائمها في الفاشر. تشير صور الأقمار الصناعية إلى تغييرات في تضاريس بعض المواقع، مما يعزز فرضية وجود مقابر حديثة الحفر. كما أفاد شهود عيان عن عمليات دفن سرية في مناطق متعددة، وحرق جثث الضحايا في مواقع نائية.
وتؤكد الشهادات أن قوات الدعم السريع تعمدت تدمير سجلات المستشفيات والإدارات الحكومية، بهدف إخفاء بيانات الوفيات والمختفين. هذا الأمر يعيق جهود التحقيق ويجعل من الصعب محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
الوضع في الفاشر يتطلب تدخلًا عاجلاً من المجتمع الدولي. يجب على الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية أن تضغط على قوات الدعم السريع لإنهاء الانتهاكات، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحتاجين. كما يجب إجراء تحقيق دولي مستقل ومستقل لجمع الأدلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.
من المتوقع أن يصدر تقرير مفصل عن الوضع في الفاشر من قبل الأمم المتحدة في غضون الأسابيع القليلة القادمة. هذا التقرير قد يشكل نقطة تحول في التعامل مع الأزمة، ويدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا. ومع ذلك، لا يزال الوضع غير مؤكد، ويتطلب مراقبة دقيقة وتدخلًا فعالًا.
