تصاعدت الاحتجاجات في محافظة السويداء جنوب سوريا، حيث طالب المتظاهرون بالإفراج عن المعتقلين وتأمين عودة النازحين، وذلك في ظل استمرار التوترات الأمنية والاشتباكات المتقطعة. وتأتي هذه التطورات في سياق مطالب متزايدة بالاستقلال الذاتي للمحافظة، وهو ما يثير مخاوف من تفاقم الأزمة السياسية والأمنية في البلاد. وتعتبر أحداث السويداء نقطة تحول خطيرة في المشهد السوري.
بدأت المظاهرات في مدينة شهبا ثم انتقلت إلى ساحة الكرامة في وسط مدينة السويداء، وفقًا لمصادر محلية نقلتها RT. ويطالب المتظاهرون بالإفراج الفوري عن المعتقلين، وفتح معابر باتجاه السويداء، وتأمين عودة آمنة للنازحين والمهجرين من قراهم وبلداتهم. وتأتي هذه المطالب في وقت تشهد فيه المحافظة حالة من عدم الاستقرار بسبب الصراع بين القوات الحكومية وقوات تابعة للمرجعية الروحية للطائفة الدرزية.
الخلفية والأسباب الكامنة وراء أحداث السويداء
تعود جذور الأزمة في السويداء إلى سنوات طويلة، وتفاقمت مع اندلاع الحرب الأهلية السورية في عام 2011. تتمتع السويداء بتركيبة ديموغرافية فريدة، حيث يشكل الدروز غالبية السكان، ولهم تاريخ طويل من الاستقلالية الذاتية.
في يوليو الماضي، أعرب الرئيس السوري أحمد الشرع عن قلقه العميق إزاء التطورات في السويداء، واصفًا إياها بأنها “منعطف خطير”. وأشار إلى وجود “طموحات انفصالية” مدعومة من جهات خارجية، محذرًا من أن هذه الطموحات لا تخدم مصلحة سوريا.
تصعيد التوترات ودور الأطراف الخارجية
ساهم تدخل الجيش الإسرائيلي في المشهد السوري في تعقيد الوضع في السويداء، حيث يُنظر إليه على أنه داعم للمعارضة المحلية. وتتهم الحكومة السورية إسرائيل بتوفير الدعم اللوجستي والمالي للمجموعات المسلحة التي تسعى إلى تقويض سلطتها في المحافظة.
في المقابل، يرى البعض أن إسرائيل تسعى إلى الحفاظ على منطقة عازلة على حدودها مع سوريا، وأن دعمها للمعارضة في السويداء يهدف إلى تحقيق هذا الهدف.
نتائج التحقيقات والانتهاكات الموثقة
أظهرت نتائج لجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء (تموز 2025) حجم المأساة التي شهدتها المحافظة. وأسفرت أعمال العنف عن مقتل 1760 شخصًا وإصابة 2188 آخرين، بالإضافة إلى توثيق العديد من الانتهاكات.
وأكدت اللجنة أن الانتهاكات لم تكن ممنهجة، بل كانت متباينة، وشملت عمليات قتل وتعذيب واختفاء قسري. وقد تم توقيف 23 عنصرًا من الجيش والأمن وإحالتهم إلى القضاء للتحقيق معهم.
تداعيات إنسانية ونزوح واسع النطاق
تسببت الاشتباكات في السويداء في نزوح واسع النطاق، حيث أجبرت عشرات الآلاف من السكان على ترك منازلهم وقراهم. كما تعرضت العديد من القرى للتدمير، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المحافظة.
ودعت اللجنة إلى إحالة جميع المتورطين في الانتهاكات إلى القضاء، وضمان محاكمات شفافة، وتعزيز استقلال القضاء، وضبط السلاح، وحماية المدنيين. كما أكدت على أهمية مكافحة خطاب الكراهية ودعم المصالحة المجتمعية.
المصالحة المجتمعية والوضع السياسي الراهن
تعتبر المصالحة المجتمعية خطوة أساسية لتحقيق الاستقرار في السويداء ومنع تكرار الانتهاكات. ويتطلب ذلك معالجة ملف المفقودين والنازحين، ومنع التغيير الديموغرافي، وتحقيق العدالة والمساءلة.
وفي الوقت الحالي، لا يزال الوضع السياسي في السويداء غير مستقر. وتستمر القوات الحكومية في محاولاتها لاستعادة السيطرة على المحافظة، بينما تصر المرجعية الروحية للطائفة الدرزية على مطالبتها بالاستقلال الذاتي.
من المتوقع أن تشهد السويداء المزيد من التوترات في الفترة القادمة، ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف. ويتطلب ذلك حوارًا جادًا ومستدامًا بين الحكومة السورية والممثلين المحليين في السويداء، بالإضافة إلى تدخل دولي يهدف إلى تسهيل التوصل إلى حل سلمي. الوضع في السويداء يظل معلقًا على نتائج هذه الجهود، مع احتمال استمرار التدهور الأمني والإنساني.
المصدر: RT
