حذر دبلوماسي إسرائيلي سابق من تدهور محتمل في العلاقات المصرية الإسرائيلية، معربًا عن قلقه من أن القاهرة قد تعيد تقييم اتفاقية السلام المبرمة عام 1979. يأتي هذا التحذير في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الانتقادات الداخلية في مصر للتعاون مع إسرائيل، خاصة بعد الحرب في قطاع غزة. وتعتبر هذه القضية ذات أهمية خاصة في ضوء اتفاقيات تصدير الغاز الإسرائيلية إلى مصر، والتي يراها البعض فرصة استراتيجية، بينما يراها آخرون بمثابة خطوة تطبيعية مرفوضة. اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية هي محور هذه المخاوف المتزايدة.
مخاوف من إعادة تقييم اتفاقية السلام
أعرب يتسحاق غوفرين، السفير الإسرائيلي السابق لدى مصر، عن قلقه البالغ إزاء مستقبل العلاقات الثنائية، مشيرًا إلى أنها وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ توقيع اتفاق السلام قبل 45 عامًا. وأشار إلى عدة مؤشرات مقلقة، بما في ذلك استمرار غياب السفراء في كلا البلدين لأكثر من 18 شهرًا، وتصاعد اللهجة المعارضة لإسرائيل في وسائل الإعلام المصرية، والانتهاكات المزعومة لبنود الاتفاقية في منطقة سيناء.
وفقًا لغوفرين، فإن اتفاق الغاز الأخير بين إسرائيل ومصر، والذي يسمح بتصدير كميات كبيرة من الغاز الإسرائيلي إلى مصر، لا ينبغي اعتباره مجرد صفقة اقتصادية. بل يجب النظر إليه كفرصة سياسية استراتيجية لإعادة بناء قنوات الحوار المباشر بين البلدين، والتي يصفها بأنها “مشلولة”.
العوامل المؤثرة على العلاقات الثنائية
تأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه مصر أزمة اقتصادية حادة، مع ديون خارجية تتجاوز 155 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف احتياطياتها من العملات الأجنبية. وبالتالي، فإن استيراد الغاز الإسرائيلي يعتبر بالنسبة للقاهرة ضرورة لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، ودعم صناعتها، وتوفير الكهرباء لمواطنيها.
ومع ذلك، يرى غوفرين أن هذا الاعتماد على الغاز الإسرائيلي يخلق وضعًا صعبًا بالنسبة لمصر، حيث لا تزال التطبعات مع إسرائيل تعتبر حساسة للغاية في الرأي العام. ويشير إلى أن الحكومة المصرية تحاول التقليل من البعد السياسي لاتفاق الغاز، وتصويره على أنه مجرد صفقة تجارية بين شركات خاصة.
بالإضافة إلى ذلك، يذكر غوفرين بأن جماعة الإخوان المسلمين، المعارضة للحكومة المصرية، قد أدانت اتفاق الغاز، مما يعكس استمرار رفض التطبيع في أوساط شعبية واسعة. هذا الرفض يمثل تحديًا إضافيًا للحكومة المصرية في سعيها للحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل.
أهمية الاتفاق الإقليمية
لا تقتصر أهمية اتفاق الغاز على الجانبين المصري والإسرائيلي فحسب، بل تمتد لتشمل المنطقة بأكملها. فمصر تلعب دورًا حيويًا في تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر محطتي الإسالة في إدكو ودمياط، نظرًا لعدم وجود خط أنابيب مباشر بين إسرائيل وقبرص.
علاوة على ذلك، يرى غوفرين أن هذا الاتفاق يمثل رداً على التوسع التركي في شرق المتوسط، ويساهم في تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة. ويذكر أنه شارك شخصيًا في عام 2019 في المبادرة المصرية التي أدت إلى تأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط”، بمشاركة إسرائيل ومصر وقبرص واليونان والأردن وفلسطين وإيطاليا. هذا المنتدى يهدف إلى تنسيق جهود دول المنطقة في استكشاف وتطوير واستغلال موارد الغاز الطبيعي.
تعتبر العلاقات المصرية الإسرائيلية جزءًا من منظومة أوسع من التفاعلات الإقليمية، بما في ذلك التنافس على الموارد، والتحالفات السياسية، والتوترات الأمنية. كما أن التعاون في مجال الطاقة يمثل بعدًا هامًا في هذه العلاقات، حيث يساهم في تحقيق مصالح اقتصادية مشتركة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
الخطوات المستقبلية والتحديات القائمة
يدعو غوفرين إلى ضرورة استئناف الحوار المباشر بين إسرائيل ومصر، بعيدًا عن الوسطاء، لبناء الثقة والتفاهم والشراكة الاستراتيجية. ويرى أن أي لقاءات بين قادة البلدين يجب أن تتم في المنطقة نفسها، وليس في عواصم بعيدة، لتعزيز المصداقية والالتزام.
في الوقت الحالي، لا توجد مؤشرات واضحة على موعد محتمل لعقد قمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية لتهدئة التوترات، والحفاظ على اتفاقية السلام، وتعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك.
يبقى مستقبل العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل غير مؤكد، ويتوقف على تطورات الأوضاع الإقليمية، والتحولات السياسية الداخلية في كلا البلدين، وقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات، وبناء الثقة المتبادلة. من المهم مراقبة التطورات المتعلقة باتفاق الغاز، وردود الفعل الشعبية في مصر، والجهود الدبلوماسية الإقليمية، لتقييم المسار المحتمل لهذه العلاقات.
