وقّعت قطر رسميًا على إعلان “باكس سيليكا” (Pax Silica)، وهو تحالف أمني اقتصادي جديد يركز على تعزيز التعاون الدولي في مجالات الحوسبة، والسيليكون، والمعادن الحيوية، والطاقة. جاء التوقيع في واشنطن، حيث أكدت الولايات المتحدة أن هذه الخطوة تمثل توافقًا جيوسياسيًا متجددًا حول أهمية الأمن الاقتصادي كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي. يهدف هذا التحالف إلى بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة ومواجهة التحديات الناشئة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وقام بتوقيع الإعلان عن الجانب الأمريكي جاكوب هيلبرغ، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية، وعن الجانب القطري أحمد بن محمد السيد، وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية. تأتي مشاركة قطر في هذا التحالف في وقت تشهد فيه التكنولوجيا والوصول إلى المواد الاستراتيجية أهمية متزايدة في تحديد موازين القوى العالمية.
أهمية “باكس سيليكا” والتعاون مع قطر
يمثل “باكس سيليكا” تحولًا في طريقة تفكير الدول في الأمن، حيث يتم التركيز بشكل أكبر على الأصول الاقتصادية والتكنولوجية. وفقًا لبيان صادر عن الخارجية الأمريكية، فإن هذا التحالف يهدف إلى ضمان الوصول المستدام إلى الموارد الحيوية اللازمة لتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية للدول المشاركة. تعتبر قطر الآن العضو الثامن في هذا التحالف، إلى جانب أستراليا وإسرائيل واليابان وجمهورية كوريا وسنغافورة والمملكة المتحدة.
الأمن الاقتصادي كأولوية
أكدت الولايات المتحدة والدوحة على اتفاقهما بشأن الربط الوثيق بين الأمن الاقتصادي والأمن القومي. يشير هذا إلى اعتراف متزايد بأن الاعتماد على مصادر خارجية للمواد التكنولوجية الحيوية يمكن أن يشكل تهديدًا للأمن القومي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة. تسعى “باكس سيليكا” إلى تقليل هذا الاعتماد من خلال تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز التعاون في مجال البحث والتطوير.
دور قطر الاستراتيجي
أشادت الخارجية الأمريكية بقيادة قطر والتزامها بالاستثمار في قطاعات الطاقة الآمنة والتكنولوجيا المتقدمة، بالإضافة إلى تطوير سلاسل توريد المعادن الحيوية. ترى واشنطن أن الدوحة شريك لا غنى عنه في هذا المسعى، وأنها في موقع متميز لقيادة المرحلة القادمة من النمو الاقتصادي العالمي. يعكس هذا التقدير الدور المتنامي الذي تلعبه قطر في الاقتصاد العالمي، خاصة في مجال الطاقة والغاز الطبيعي المسال.
بالإضافة إلى ذلك، يركز التحالف على التصدي للتبعية القسرية ونقاط الضعف المحتملة في سلاسل الإمداد العالمية. يهدف هذا إلى منع أي دولة من استخدام سيطرتها على الموارد الاستراتيجية كأداة للضغط السياسي أو الاقتصادي. وتشمل هذه الموارد أشباه الموصلات والمعادن النادرة المستخدمة في تصنيع الإلكترونيات والبطاريات.
أفادت الخارجية الأمريكية بأن الجانبين سيعملان معًا على استكشاف فرص الشراكة في مشاريع رائدة في مختلف القطاعات التكنولوجية، بما في ذلك الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، والحوسبة، وأشباه الموصلات، والتصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، وتكرير ومعالجة المعادن، والطاقة. هذه المشاريع تهدف إلى تعزيز الابتكار وتطوير تقنيات جديدة يمكن أن تساهم في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
تأتي هذه الخطوة في سياق جهود دولية متزايدة لتعزيز الأمن الاقتصادي والتكنولوجي. فقد أدركت العديد من الدول أن الاعتماد المفرط على عدد قليل من الموردين يمكن أن يعرضها لمخاطر كبيرة، خاصة في ظل الأزمات العالمية مثل جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا. لذلك، تسعى هذه الدول إلى تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز التعاون في مجال البحث والتطوير لضمان الوصول المستدام إلى الموارد التكنولوجية الحيوية.
من المتوقع أن تشهد “باكس سيليكا” انضمام دول أخرى في المستقبل القريب، مما سيعزز من نطاق تأثيرها وقدرتها على تحقيق أهدافها. سيراقب المراقبون عن كثب التطورات في هذا التحالف، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ المشاريع المشتركة وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية. كما سيتتبعون ردود الفعل من الدول الأخرى التي لم تنضم إلى التحالف بعد، والتي قد ترى فيه محاولة لتقويض نفوذها أو فرض قيود على وصولها إلى التكنولوجيا.
في الختام، يمثل انضمام قطر إلى “باكس سيليكا” خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن الاقتصادي والتكنولوجي. من المنتظر أن يستمر الجانبان القطري والأمريكي في استكشاف فرص الشراكة في مختلف القطاعات التكنولوجية، وأن يعملان معًا على بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة ومواجهة التحديات الناشئة في عصر الذكاء الاصطناعي. سيظل مستقبل هذا التحالف ونجاحه رهنًا بالقدرة على التغلب على التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المتزايدة.
