تصاعدت التوترات في منطقة الخليج مع استمرار الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة الخليجية، في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وتشير التقارير إلى أن هذه الهجمات، التي طالت مصافي النفط ومحطات الغاز والموانئ الحيوية، تمثل نمطاً تصعيدياً يهدد قلب اقتصاد الطاقة العالمي. وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه العالم تقلبات في أسعار النفط وتحديات في سلاسل الإمداد.
منذ بداية الحرب، سجلت بيانات وتقارير دولية تعرض عشرات المنشآت النفطية والغازية في المنطقة لأضرار متفاوتة، مما أدى في بعض الحالات إلى توقف جزئي أو مؤقت للإنتاج. وكالة بلومبيرغ أشارت في تقرير لها في السادس من أبريل إلى اتساع نطاق الاستهداف، مما يعكس خطورة الوضع. وتشير التحليلات إلى أن هذه الهجمات ليست مجرد رد فعل عسكري، بل محاولة للتأثير على سوق الطاقة العالمي من خلال الضغط على الدول الكبرى.
استهداف إيران لمنشآت الطاقة: خرق للأمن الدولي
أكد أكاديميون قطريون أن استهداف إيران لمنشآت الطاقة في دول الخليج يمثل خرقاً خطيراً لقواعد الأمن الدولي، ومحاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على الابتزاز عبر تهديد شريان الطاقة الذي تعتمد عليه دول العالم. ويرى هؤلاء الأكاديميون أن هذا السلوك يعكس رغبة إيرانية في زعزعة الاستقرار الإقليمي والتأثير على الاقتصاد العالمي.
خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب، كثفت إيران هجماتها على منشآت الطاقة في دول الخليج، مستهدفة مصافي وموانئ وخزانات وقود، وذلك رداً مباشراً على الضربات التي طالت بنيتها التحتية. هذا التحول يعكس انتقالاً من الاستهداف العسكري المباشر إلى استهداف الاقتصاد بشكل عام.
تصعيد الضربات المتبادلة
تصاعدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على قطاع الطاقة الإيراني، مع تركيز واضح على منشآت البتروكيماويات والغاز التي تعتبر حيوية للاقتصاد الإيراني. وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن في السادس من أبريل أن بلاده نجحت في تعطيل 85% من صادرات إيران البتروكيماوية، مما يشير إلى استهداف واسع للبنية الإنتاجية الإيرانية.
في المقابل، أفادت وكالتا فارس وميزان الإيرانيتان في السادس من أبريل عن هجمات استهدفت منشآت في حقل بارس الجنوبي للغاز، أكبر حقل غازي في العالم، وتحديداً في منطقة عسلوية بمحافظة بوشهر، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن وحدات بتروكيماوية. كما ذكرت تقارير إعلامية عن استهداف منشآت لخفض ضغط الغاز في جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران، مما تسبب في تسرب وانقطاع جزئي للإمدادات.
موقع “أكسيوس” كشف في تقرير له في السادس من أبريل أن واشنطن وتل أبيب أعدتا خطة عملياتية لضرب منشآت الطاقة الإيرانية بشكل واسع، مما يعكس توجهاً لتوسيع نطاق الحرب ليشمل شريان الاقتصاد الإيراني.
تأثير الهجمات على دول الخليج
في المقابل، وسعت إيران نطاق ردها ليشمل منشآت الطاقة الخليجية، في محاولة لخلق توازن ردع عبر استهداف نفس القطاع الذي تتعرض له داخلياً. لكن هذا الاستهداف طال دولاً اتخذت موقف الحياد في الحرب الجارية، مما يثير تساؤلات حول نوايا طهران وأمن المنطقة. ووفقاً لتقرير “الجزيرة نت” في الخامس من أبريل، فقد استهدفت الهجمات الإيرانية خمس دول خليجية عبر آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة.
أحدث تلك الضربات استهدفت مصفاة ميناء الأحمدي ومنشآت تابعة لمؤسسة البترول الكويتية، مما تسبب في حرائق وخسائر مادية. وفي الإمارات، اندلعت حرائق في مصفاة الرويس ومنشآت الغاز في حبشان، بينما تأثرت موانئ الفجيرة وجبل علي بهجمات سابقة. كما أعلنت السعودية سقوط شظايا في منشآت الطاقة في المنطقة الشرقية بعد اعتراض 7 صواريخ إيرانية، مع أنباء عن أضرار في منشأة البتروكيماويات في الحبيل. وتعرضت منشآت الغاز في رأس لفان بقطر لهجمات صاروخية أدت إلى أضرار واسعة وتعطيل جزئي للإنتاج.
الأهمية الاستراتيجية للطاقة الخليجية
تمثل منشآت الطاقة الخليجية أحد أهم الأعمدة الاقتصادية ليس لدول المنطقة فحسب، بل للاقتصاد العالمي أيضاً. حيث يمر نحو 20% من إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، وفقاً لبيانات دولية. وتعد دول الخليج من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، مما يجعل أي اضطراب في منشآتها ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتشير تقارير إلى أن توقف أو تعطل بعض المنشآت أدى بالفعل إلى اضطرابات في الإنتاج والتصدير، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. ولا تقتصر الخسائر على الأضرار المباشرة، بل تمتد إلى خسائر طويلة الأمد تشمل تراجع الاستثمارات، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، وتأثيرات على النمو الاقتصادي العالمي.
ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره تصعيداً عسكرياً عابراً، بل اعتداءً مباشراً على استقرار النظام الاقتصادي العالمي، تتحمل مسؤوليته إيران بشكل واضح. هذا السلوك يعكس محاولة لإعادة تشكيل النفوذ عبر الفوضى، من خلال إضعاف الخصوم الإقليميين وفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الطاقة العالمية.
من المتوقع أن تستمر التوترات في منطقة الخليج في التصاعد خلال الفترة القادمة، مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وستظل منشآت الطاقة الخليجية هدفاً رئيسياً للهجمات، مما يتطلب اتخاذ تدابير أمنية مشددة لحماية هذه المنشآت وضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية. وستراقب الأسواق العالمية عن كثب التطورات في المنطقة، مع توقعات بارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاطر الجيوسياسية.
