أدى التصعيد العسكري في المنطقة إلى انخفاض ملحوظ في الطلب على السفر إلى الشرق الأوسط، حيث قامت العديد من شركات الطيران الأوروبية بتعليق رحلاتها. تسببت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 في اضطرابات كبيرة في قطاع الطيران والسياحة، مما أثر على حركة السفر العالمية وارتفاع التكاليف. وتشير التقديرات الأولية إلى أن القطاع السياحي قد يشهد خسائر كبيرة خلال العام الحالي.
أدت الحرب إلى إغلاق مجالات جوية وإعادة توجيه الرحلات الجوية لمسارات أطول، مما أثر بشكل مباشر على حركة السفر العالمية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم ارتفاع المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التشغيل المرتبطة بأسعار الوقود في تفاقم الوضع. وبحسب بيانات شركة “Cirium”، تجاوز عدد الرحلات الملغاة من وإلى الشرق الأوسط 46 ألف رحلة منذ بداية الحرب، مما يعكس حجم الارتباك الذي أصاب شبكات الطيران الدولية.
تراجع حاد في الطلب على السفر إلى الشرق الأوسط
أظهرت بيانات الشركات انخفاضًا ملحوظًا في الطلب على السفر إلى المنطقة، حيث أعلنت شركات مثل “لوفتهانزا” و”إير فرانس” تعليق أو تقليص رحلاتها إلى عدد من الوجهات. وقد أدى ذلك إلى تراجع القدرة الاستيعابية للسوق وارتفاع تكاليف السفر على المسافرين. وأظهرت بيانات الحجز انخفاض الطلب بنسبة 15% خلال الأسبوع الأول من مارس، قبل أن يتعمق التراجع إلى 25% في الأسبوع التالي، استجابةً مباشرة لتصاعد المخاطر الأمنية.
وامتد تأثير هذا التراجع إلى دول لم تكن ضمن نطاق المواجهة المباشرة، حيث سجلت وجهات مثل مصر والأردن وتركيا تراجعًا في الطلب نتيجة ارتفاع مستوى القلق لدى المسافرين. وتشير تقديرات “Tourism Economics” إلى أن الشرق الأوسط قد يفقد ما بين 11% و27% من حصته السياحية الدولية خلال عام 2026، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى نمو بنحو 13% قبل اندلاع الحرب.
تحول في خريطة السياحة العالمية
مع تراجع الإقبال على الشرق الأوسط، تحولت حركة السفر بوضوح نحو أوروبا. سجلت إيطاليا زيادة في الحجوزات بنسبة 55%، بينما ارتفعت أسعار الفنادق في إسبانيا بنحو 25% نتيجة زيادة الطلب. كما شهدت وجهات مثل اليونان وفرنسا والبرتغال ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الزوار، خاصة في المناطق الساحلية والجزر.
وامتد هذا التحول إلى وجهات بعيدة، حيث سجلت مناطق مثل الكاريبي وكندا زيادة في الطلب تراوحت بين 10% و35%، مما يعكس إعادة توزيع الطلب السياحي على المستوى العالمي. وتُظهر أنماط الحجز أن المسافرين باتوا يفضلون الوجهات التي لا تتطلب المرور عبر مناطق التوتر، مع زيادة الاعتماد على الرحلات المباشرة والقصيرة.
صعود السياحة الداخلية والإقليمية
بالتوازي مع التحول نحو أوروبا، شهدت السياحة الداخلية نموًا واضحًا، حيث فضّل المسافرون تقليل المسافات والاعتماد على الوجهات المحلية أو الإقليمية، تجنباً لارتفاع الأسعار والمخاطر المرتبطة بالسفر الدولي. وفي آسيا، أعاد المسافرون توجيه رحلاتهم نحو وجهات قريبة مثل سنغافورة ودول جنوب شرق آسيا، بدلاً من الشرق الأوسط.
كما ارتفعت أسعار الرحلات الداخلية في عدد من الأسواق خلال أبريل مقارنة بشهر مارس، نتيجة زيادة الطلب المحلي. وبحسب تصريحات جاي إلينبي، رئيس مجموعة “Safe Harbors” للسفر، ارتفعت نسبة الإلغاءات بين المسافرين الآسيويين المتجهين إلى الشرق الأوسط بنحو 20% إلى 30%، مع تحول واضح نحو وجهات إقليمية أكثر استقراراً.
تأثير الأزمة على شركات الطيران
أدى إغلاق أجزاء من المجال الجوي إلى إطالة مسارات الرحلات الجوية، مما زاد من استهلاك الوقود ورفع التكاليف التشغيلية لشركات الطيران. بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط منذ بداية الحرب، انعكس ذلك مباشرة على أسعار التذاكر. وذكرت ميشيل بوي، المديرة الإقليمية لشركة “Ellerton & Co”، أن أسعار التذاكر بين آسيا والشرق الأوسط تراوحت، خلال مارس، بين 1500 و2000 دولار، مقارنة بمستويات أقل قبل الأزمة.
كما ساهمت رسوم التعديل غير القابلة للاسترداد في زيادة الإلغاءات، حيث فضّل عدد كبير من المسافرين تغيير وجهاتهم بدلاً من تحمل هذه التكاليف الإضافية. وتُظهر بيانات شركة “Perk” للسفر ارتفاعاً بأكثر من الضعف في الإلغاءات الطوعية لرحلات الأعمال بين أوروبا وآسيا، خلال الأسبوع الأول من مارس، مما يعكس تأثير الأزمة على قطاع الأعمال إلى جانب السياحة.
قبل اندلاع الحرب، كانت دول الخليج تعتمد على خطط توسع سياحي تهدف إلى زيادة مساهمة القطاع في الاقتصاد. لكن التوترات الأخيرة أثرت على هذه الاستراتيجيات، حيث أدى إغلاق الأجواء وارتفاع تكاليف الطيران إلى تراجع الحجوزات. وبحسب بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة “WTTC”، قد تتراوح خسائر قطاع السياحة في الشرق الأوسط بين 34 و56 مليار دولار خلال عام 2026.
من المتوقع أن تستمر شركات الطيران في تقييم جداولها التشغيلية وتعديلها بناءً على التطورات الجيوسياسية. وستراقب الجهات المعنية عن كثب تطورات الأوضاع الأمنية وتأثيرها على حركة السفر، مع التركيز على استعادة الثقة وتشجيع السياحة المستدامة في المنطقة. يبقى مستقبل القطاع السياحي في الشرق الأوسط غير مؤكدًا ويعتمد بشكل كبير على التطورات السياسية والأمنية في الأشهر القادمة.
