لم تعد المساجد في دول الخليج مجرد أماكن للعبادة، بل تشهد تحولاً ملحوظاً نحو الاستدامة، حيث تتبنى الحكومات مبادرات جريئة لتحويلها إلى “مساجد خضراء” تساهم في خفض البصمة الكربونية وتعزيز الوعي البيئي. هذا التحول يعكس التزاماً متزايداً بالتحول الأخضر، ويضع دور العبادة في صميم الجهود الوطنية نحو تحقيق الحياد المناخي.
في السنوات الأخيرة، أدركت دول الخليج أهمية دمج مبادئ الاستدامة في تصميم وتشغيل المساجد، نظراً لاستهلاكها الكبير للطاقة والمياه، خاصة خلال مواسم الذروة مثل شهر رمضان. هذا الإدراك دفع إلى إطلاق العديد من المشاريع والمبادرات التي تهدف إلى جعل المساجد أكثر كفاءة في استخدام الموارد، وأكثر صداقة للبيئة.
خطة الكويت الطموحة لتحويل المساجد إلى مساجد خضراء
تتبنى الكويت خطة وطنية طموحة لتحويل 1700 مسجد إلى مساجد خضراء مستدامة بحلول عام 2033. وكشفت صحيفة “القبس” في يناير 2025 عن تفاصيل المشروع الذي يهدف إلى خفض استهلاك الكهرباء والمياه بنسبة تصل إلى 40% سنوياً، وتقليل تكاليف الإدارة والصيانة بنحو 50%.
أهداف المشروع الكويتي
- خفض استهلاك الكهرباء والمياه بنسبة تصل إلى 40% سنوياً.
- تقليل تكاليف الإدارة والصيانة بنحو 50%.
- تقليص الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء داخل المساجد.
- توفير أكثر من 5.2 ملايين دينار في فواتير الماء والكهرباء.
- تطوير كوادر وطنية وخلق فرص عمل في مجال المباني المستدامة.
يهدف المشروع أيضاً إلى تعزيز العائد الاقتصادي طويل الأمد من خلال تطوير كوادر وطنية متخصصة في مجال المباني المستدامة. هذا المشروع يمثل خطوة كبيرة نحو تحقيق أهداف الاستدامة في الكويت.
قطر: المساجد على طريق الحياد الكربوني
في قطر، اختارت بلدية الوكرة أن تكون المساجد جزءاً من مبادرة “الوكرة على طريق الحياد الكربوني”. في يونيو 2025، أُطلق مشروع لتحويل أحد مساجد المدينة إلى مسجد أخضر مستدام بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مع التركيز على تقليل الانبعاثات الكربونية دون المساس براحة المصلين. وقد تم اختيار مسجد الشيخ حسن بن عبد الرحمن آل ثاني ليكون نموذجاً تطبيقياً لهذه المبادرة.
تعد هذه الخطوة جزءاً من برنامج خماسي أوسع ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030، ويعكس توجهاً متدرجاً نحو رفع كفاءة تشغيل المساجد، وتكريسها لتكون نماذج حضرية صديقة للبيئة. تعتبر هذه المبادرة مثالاً على كيفية دمج الاستدامة في البنية التحتية الدينية.
سلطنة عُمان: الطاقة المتجددة في خدمة المساجد
في سلطنة عُمان، اتخذ التحول الأخضر للمساجد بعداً عملياً مباشراً عبر إطلاق برنامج “المسجد الأخضر” المتخصص في الطاقة المتجددة. يهدف البرنامج إلى تزويد الجوامع والمساجد باحتياجاتها الكهربائية عبر الطاقة الشمسية، في بلد يضم أكثر من 16 ألف مسجد. وقد أظهرت المرحلة التجريبية التي انطلقت في نوفمبر 2020 نتائج مشجعة، ما دفع إلى التوسع نحو تطبيق البرنامج على 100 مسجد خلال ثلاث سنوات باستثمار يقارب 5 ملايين ريال عماني.
يتماشى هذا المشروع مع رؤية عُمان 2040، التي تستهدف تأمين نحو 30% من احتياجات السلطنة من مصادر متجددة، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بجدوى الطاقة النظيفة. يعتبر هذا البرنامج نموذجاً ناجحاً لكيفية الاستفادة من الطاقة المتجددة في القطاع الديني.
السعودية والإمارات: نماذج رائدة في الاستدامة
في السعودية، تتوزع مبادرات “المساجد الخضراء” على مسارات متعددة، تشمل تشغيل المساجد بالطاقة الشمسية، وتشجير محيطها، وإعادة استخدام المياه الرمادية في الري. وتسعى وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد إلى تحويل عدد من المساجد إلى مبانٍ منتجة للطاقة، قادرة على رفد الشبكة العامة بفائض الكهرباء.
أما في الإمارات، فيوجد العديد من النماذج المتقدمة للمساجد الخضراء، مثل “مسجد الاستدامة” في أبوظبي، وهو أول مسجد حاصل على تصنيف LEED البلاتيني، ومسجد خليفة التاجر في دبي، وهو أول مسجد صديق للبيئة في العالم الإسلامي. هذه النماذج تعكس ريادة الإمارات في ربط العبادة بالاستدامة.
تُظهر تجارب دول الخليج في مجال المساجد الخضراء التزاماً متزايداً بالاستدامة، ووضع دور العبادة في صميم الجهود البيئية. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من المشاريع والمبادرات التي تهدف إلى جعل المساجد أكثر كفاءة في استخدام الموارد، وأكثر صداقة للبيئة. وستظل المتابعة الدقيقة لنتائج هذه المشاريع وتقييم أثرها البيئي والاقتصادي أمراً ضرورياً لضمان تحقيق أهداف الاستدامة المنشودة.
