أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان اليوم الأحد أن الأسواق الناشئة تلعب دوراً محورياً في دفع النمو الاقتصادي العالمي، حيث تمثل أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقاً لمعيار تعادل القوة الشرائية، وتساهم بأكثر من 70% من هذا النمو. جاءت تصريحات الوزير خلال النسخة الثانية من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، المنعقد في محافظة العُلا السعودية، في ظل تحولات اقتصادية عالمية متسارعة.
ويكتسب هذا المؤتمر أهمية خاصة في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تغيرات هيكلية عميقة في أنظمة التجارة والمالية الدولية، مما يجعل دور الأسواق الناشئة أكثر حيوية من أي وقت مضى.
تزايد أهمية الاقتصادات الصاعدة والنامية
أوضح الوزير الجدعان أن مساهمة الاقتصادات الصاعدة والنامية في الاقتصاد العالمي تضاعفت منذ عام 2000، مما حولها من مجرد مؤثرات ثانوية إلى محرك رئيسي للنمو. وأشار إلى أن أكبر عشرة اقتصادات صاعدة ضمن مجموعة العشرين تمثل حالياً أكثر من نصف النمو العالمي الإجمالي. هذا التحول يعكس قوة دفع جديدة للاقتصاد العالمي، بعيداً عن الاقتصادات التقليدية.
التحديات التي تواجه الأسواق الناشئة
على الرغم من هذا الصعود، أشار الجدعان إلى أن الأسواق الناشئة تواجه بيئة دولية معقدة ومتزايدة التحديات. وتشمل هذه التحديات ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ التجارة العالمية، وزيادة التعرض للصدمات الجيوسياسية، مما يهدد مسارات النمو والاستقرار الاقتصادي. وبحسب بيانات حديثة، يعاني أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل حالياً من ضائقة ديون أو يواجهون خطر الوقوع فيها.
بالإضافة إلى ذلك، انخفض نمو التجارة العالمية إلى حوالي نصف مستواه قبل جائحة كوفيد-19، مع استمرار التقلبات في تدفقات رؤوس الأموال نحو هذه الأسواق. هذه العوامل مجتمعة تزيد من المخاطر التي تواجهها الاقتصادات الصاعدة.
الحاجة إلى سياسات واقعية ومنسقة
شدد وزير المالية على أن هذه التحديات ليست مؤقتة، بل تعكس تحولات هيكلية تتطلب سياسات اقتصادية واقعية ومنسقة. يجب أن تنطلق هذه السياسات من الأولويات الوطنية وتستند إلى المصداقية في التنفيذ لضمان تحقيق النتائج المرجوة. كما أكد على أهمية التعاون الدولي في مواجهة هذه التحديات المشتركة.
وأشار الجدعان إلى أن مؤتمر العُلا لا يهدف إلى مجرد تبادل الآراء، بل إلى مشاركة الخبرات العملية والتركيز على تطبيق السياسات في ظل القيود الواقعية. كما أكد على أهمية إدراك التنوع الكبير بين الأسواق الناشئة وعدم اختزالها في نموذج واحد.
واستعرض الوزير السعودي تجربة المملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي، مؤكداً أن الاستقرار الاقتصادي الكلي يشكل أساساً للنمو المستدام. وأضاف أن الإصلاحات الهيكلية لا يمكن أن تنجح إلا من خلال مؤسسات كفؤة قادرة على تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
كما أكد على تزايد أهمية التعاون الدولي في عالم يتجه نحو التشرذم، مشيداً بدور المؤسسات المالية متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، كشركاء في التمويل وتقديم الخبرات ودعم الاستقرار الاقتصادي العالمي. النمو الاقتصادي يتطلب تضافر الجهود الدولية.
ودعا الجدعان إلى استشراف المستقبل والتركيز على إيجاد حلول عملية للتحديات التي تواجه الأسواق الناشئة. وينبغي أن تساهم مخرجات المؤتمر في صياغة استجابات فعالة لهذه الأسواق، سواء بشكل فردي أو جماعي، لمواجهة المشهد العالمي المتغير باستمرار.
انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026 اليوم بمشاركة دولية رفيعة المستوى. يُعقد المؤتمر بالشراكة بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، بهدف تعزيز الحوار الدولي ودعم مرونة الاقتصادات الناشئة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي العالمي. ومن المتوقع أن تستمر المناقشات خلال الأيام القادمة، مع التركيز على إيجاد حلول عملية للتحديات التي تواجه هذه الأسواق، وتقديم توصيات لصناع القرار.
