لم يعد مفهوم العولمة كما عُرف بعد الحرب الباردة مجرد أسواق مفتوحة، بل تحول إلى ساحة تنافسية تتأثر بالأمن القومي وتواجه تحديات في سلاسل الإمداد. وفي ظل هذا التحول، تشهد الخرائط التجارية إعادة رسم، وتتغير موازين النفوذ، حيث يزداد أهمية امتلاك الطاقة، والسيطرة على الممرات التجارية، وتوفير رأس المال. هذا التغيير يفرض على دول الخليج العربي إعادة تقييم دورها، والانتقال من التبعية لتقلبات النظام التجاري العالمي إلى لعب دور محوري في تحقيق التوازن بين الشرق والغرب، وهو ما يتطلب استراتيجيات جديدة للتكيف مع تفكك العولمة.
تفكك العولمة وإعادة تعريف النفوذ التجاري
تصف منظمة التجارة العالمية عام 2024 بأنه عام استمرت فيه التجارة، ولكن مع تغيير في هيكلها، حيث شهدت الخدمات نمواً أسرع من السلع، وتزايدت أهمية الاقتصاد الرقمي. وأشارت المنظمة إلى نمو تجارة الخدمات بنسبة 10%، مدفوعة بخدمات الحاسوب وتأثيرها المتزايد في الاقتصادات المتقدمة والنامية. وبالتوازي، أفاد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) بأن التجارة العالمية بلغت 33 تريليون دولار في 2024، مدفوعة بنمو الخدمات بنسبة 9%، بينما ارتفعت تجارة السلع بنسبة 2% فقط، مما يدل على استمرار التجارة، ولكن بقواعد أكثر هشاشة.
تغير قواعد التجارة والكتل التجارية
يشهد العالم إعادة تشكيل للكتل التجارية، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده على الصين والتحوط من الحمائية الأمريكية من خلال توسيع شبكة اتفاقياته. وفي المقابل، تعيد الولايات المتحدة هندسة تحالفاتها التجارية بناءً على اعتبارات الأمن الصناعي وسلاسل الإمداد. ووفقاً لتقرير لوكالة “رويترز”، يندفع الاتحاد الأوروبي نحو اتفاقيات كبرى لتخفيف الاعتماد على الصين، بما في ذلك اتفاق مع الهند، ومحادثات مع دول أخرى مثل المكسيك وإندونيسيا والإمارات.
استراتيجيات دول الخليج في مواجهة تفكك العولمة
في هذا السياق، لم تعد دول الخليج تسأل عن كيفية الاستفادة من العولمة، بل عن كيفية التعامل مع تفككها وتجنب الحصار في كتلة واحدة. وتسعى هذه الدول إلى الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع صانع توازن بين الشرق والغرب. وتتجلى هذه الاستراتيجية في اندفاعة الخليج نحو اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، والتي تهدف إلى تحصين مواقعها وتوسيع منافذها التجارية.
اتفاقيات الشراكة الاقتصادية وبناء البنية اللوجستية
وقعت الإمارات حتى يوليو 2025، 27 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، دخلت 10 منها حيز التنفيذ، بهدف رفع قيمة التجارة غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم بحلول عام 2031. هذه الاتفاقيات تنقل دول الخليج من الاعتماد على سوق واحدة إلى سلة أسواق متنوعة، ومن الاتكاء على قناة عبور واحدة إلى شبكة مرنة من الممرات والخيارات التجارية. وتشير تصريحات رئيس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى تحقيق 75% من مستهدف التجارة الخارجية لدولة الإمارات بحلول نهاية عام 2024، بفضل هذه الاتفاقيات.
الاستثمار في البنية التحتية والموانئ
لا تقتصر استراتيجية دول الخليج على الاتفاقيات التجارية، بل تشمل أيضاً الاستثمار في البنية التحتية والموانئ. وتستثمر السعودية في النقل والموانئ على البحر الأحمر بهدف جعل المملكة مركزاً تجارياً رئيسياً، وليس مجرد نقطة عبور. كما تسعى بورصة لندن للمعادن إلى إدراج جدة كنقطة تسليم للنحاس والزنك، مما يعكس محاولة دمج الساحل السعودي في شبكات تجارة المعادن العالمية. وفي مجال الشحن الجوي، أعلنت “طيران الرياض” عن إطلاق ذراع الشحن “الرياض للشحن” لتعزيز قدراتها اللوجستية.
الصناديق السيادية الخليجية: لاعبون جيو-اقتصاديون
بالإضافة إلى الاتفاقيات التجارية والاستثمار في البنية التحتية، تلعب الصناديق السيادية الخليجية دوراً متزايد الأهمية في الهيكل الاقتصادي العالمي الجديد. وتتحول هذه الصناديق من مستثمرين ماليين إلى لاعبين جيو-اقتصاديين يؤثرون في شبكات القرار العالمي. وتُدير مؤسسات الاستثمار المملوكة للدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصولاً مرشحة للنمو بأكثر من 57% خلال السنوات الخمس المقبلة، لتصل إلى نحو 8.8 تريليونات دولار، وتقودها صناديق دول الخليج. وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، ضخت هذه المؤسسات 56.3 مليار دولار عبر 97 صفقة، مستحوذةً على نحو 40% من إجمالي نشاط المؤسسات السيادية عالمياً.
تأثير الصناديق السيادية في القطاعات الاستراتيجية
لا يقتصر تأثير الصناديق السيادية على حجم الأصول، بل يمتد إلى جغرافية الاستثمارات واتجاهاتها. وتستثمر هذه الصناديق في قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا المتقدمة والمعادن الحيوية، مما يخلق نفوذاً كبيراً يتجاوز الاصطفافات الدبلوماسية التقليدية. وتعتبر هذه الصناديق رأس المال أداة للوصول إلى شبكات القرار الاقتصادي في واشنطن وبكين وأوروبا.
من المتوقع أن تستمر دول الخليج في تعزيز دورها كلاعب رئيسي في الهيكل الاقتصادي العالمي الجديد، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع شبكة اتفاقياتها التجارية، وتعزيز دور صناديقها السيادية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تواجه هذه الدول، بما في ذلك التقلبات الجيوسياسية، والتغيرات في أسعار الطاقة، والمنافسة المتزايدة من القوى الاقتصادية الأخرى. ومن المهم مراقبة تطورات هذه العوامل لتقييم مستقبل دور دول الخليج في الاقتصاد العالمي.
