شهد اليوم الأول من معرض القاهرة الدولي للكتاب حضورًا طاغيًا لأعمال الأديب العالمي نجيب محفوظ، حيث تحولت فعاليات المعرض إلى منصة للاحتفاء بإرثه الأدبي والفكري. لم يكن الأمر مقتصرًا على تخصيص جناح للتعريف برواياته، بل امتد ليشمل عشرات الندوات والمؤتمرات التي تناولت جوانب مختلفة من حياته وأعماله، مما يؤكد استمرار تأثيره العميق في الأدب والثقافة العربية. وقد أثار كتاب “أيام الألم: كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” جدلاً واسعًا خلال ندوة خاصة، مسلطًا الضوء على الظروف المحيطة بمحاولة اغتياله وتداعياتها.
وتنوعت الفعاليات التي خصصت لمحفوظ، بدءًا من معرض تشكيلي مستوحى من رواياته، مرورًا بندوة “جماليات المكان: المدينة في عالم نجيب محفوظ”، وصولًا إلى لقاء فكري بعنوان “النجيب محفوظ” وندوة لمناقشة الكتاب المثير للجدل. وحتى المؤتمرات التي لم تكن مخصصة بشكل مباشر لمحفوظ، مثل مؤتمر إدوار الخراط، شهدت إشارات متكررة إلى تأثيره وأهميته في المشهد الأدبي.
نجيب محفوظ في صميم فعاليات معرض الكتاب
ركزت ندوة “كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” على تحليل الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى محاولة اغتيال الأديب الكبير، وكيف تعامل المجتمع مع هذه الحادثة. أكد مؤلف الكتاب، محمد الباز، أن الندوة ليست مجرد استعراض لأحداث الماضي، بل هي محاولة لفهم كيف يمكن للمجتمع أن يتخلى عن مبدعيه وكيف يمكن أن يؤدي الإهمال والتجاهل إلى نتائج وخيمة.
وأضاف الباز أن نجيب محفوظ عانى من الإهانة بعد محاولة الاغتيال، خاصةً عدم إقامة جنازة رسمية تليق بمكانته العالمية. وأشار إلى أن الكتاب يسعى لطرح أسئلة جديدة حول كيفية التعامل مع المبدعين في مصر، بعيدًا عن الروايات التقليدية والمقربين.
من جانبه، أوضح الدكتور يسري عبد الله، أستاذ الأدب والنقد بجامعة حلوان، أن الكتاب يقدم “سردية الألم” المتواترة في حياة محفوظ، بدءًا من محاولة الاغتيال عام 1994 وحتى وفاته. وأكد أن حادثة الاغتيال كانت بمثابة نقطة تحول في حياة محفوظ، وسلطت الضوء على التحديات التي واجهها في مجتمعه.
جغرافيا الرواية في أعمال نجيب محفوظ
وفي سياق متصل، استعرضت ندوة “جماليات المكان: المدينة في عالم نجيب محفوظ” كيف وظف الأديب الكبير جغرافيا القاهرة في أعماله الروائية. أشار الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن القاهرة القديمة، وخاصةً أحياء الجمالية والحسين، كانت بمثابة مصدر إلهام دائم لمحفوظ، وأنها شكلت الخلفية الأساسية لمعظم رواياته.
وأضاف سيد أن محفوظ لم يكتفِ بوصف الأماكن، بل قام بإضفاء روح خاصة عليها، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من السرد الروائي. وأكد أن محفوظ كان قادرًا على التقاط التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية في القاهرة، وتصويرها بأسلوب فريد ومميز.
كما تحدث المشاركون عن علاقة نجيب محفوظ بمدينة الإسكندرية، وكيف أثرت هذه المدينة في أعماله. أشار الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول إلى أن الإسكندرية كانت بمثابة ملاذ للغرباء في روايات محفوظ، وأنها شكلت مسرحًا لأحداث مهمة في حياتهم.
نقد إدوار الخراط لأعمال نجيب محفوظ
في مؤتمر إدوار الخراط، ناقش الباحثون رؤية الخراط النقدية لنجيب محفوظ، والتي تميزت بالجرأة والصدق. أكد الدكتور صبري حافظ أن الخراط لم يتردد في توجيه النقد حتى للأسماء الكبيرة، وأنه كان يرى أن الأدب يجب أن يغامر ويكسر المألوف.
وأضاف حافظ أن الخراط انتقد بعض أعمال محفوظ، معتبرًا إياها مبتعدة عن روح الحداثة. لكنه في الوقت نفسه، أشاد بمهارة محفوظ في تصوير الواقع، وقدرته على خلق شخصيات معقدة ومؤثرة. وقد أشار الخراط في مقالاته المبكرة إلى أن عالم محفوظ السردي هو بناء فني معقد يحمل دلالات اجتماعية وإنسانية عميقة.
وتناول المؤتمر أيضًا كيف أثرت الظروف السياسية والاجتماعية في نقد الخراط لأعمال محفوظ، وكيف انعكست هذه الظروف على رؤيته الأدبية.
بشكل عام، أظهرت فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب أن نجيب محفوظ لا يزال يحتل مكانة مرموقة في قلوب وعقول القراء والنقاد على حد سواء. وقد ساهمت هذه الفعاليات في إحياء ذكرى هذا الأديب الكبير، وإبراز أهمية إرثه الأدبي والفكري.
من المتوقع أن تستمر فعاليات المعرض في جذب المزيد من الزوار والمهتمين بالأدب والثقافة، وأن تشهد المزيد من المناقشات والندوات التي تتناول أعمال نجيب محفوظ وغيرها من الأعمال الأدبية الهامة. وينتظر أن تعلن وزارة الثقافة عن خطط مستقبلية للاحتفاء بذكرى نجيب محفوظ، وتخليد اسمه في الذاكرة الجماعية.
