شهد قطاع الطاقة في لبنان تطوراً مهماً بإعلان “قطر للطاقة” عن دخولها في مجال الاستكشاف البحري في المياه الإقليمية اللبنانية، في خطوة تهدف إلى إعادة إحياء ملف النفط والغاز المتوقف منذ سنوات. يأتي هذا الاستثمار في ظل حاجة لبنان الماسة إلى مصادر جديدة للطاقة وتعزيز اقتصاده المتعثر، ويُعد بمثابة دفعة قوية لعمليات التنقيب المستقبلية. وتستحوذ “قطر للطاقة” بموجب الاتفاقية على حصة 30% في الرقعة البحرية رقم 8.
وقع الإعلان الرسمي عن هذه الشراكة في 9 يناير 2026، بحضور ممثلين عن الحكومة اللبنانية وشركتي توتال إنرجيز وإيني، بالإضافة إلى “قطر للطاقة”. وتأتي هذه الخطوة بعد فترة من المشاورات الثنائية بين قطر ولبنان، والتي بدأت في مايو 2025، وتناولت سبل التعاون في قطاع الطاقة. وتشير هذه الاتفاقية إلى ثقة متزايدة في إمكانات لبنان في مجال النفط والغاز، ورغبة في استغلال موارده الطبيعية.
شراكة قطرية في الاستكشاف البحري اللبناني
تتضمن الاتفاقية حصول “قطر للطاقة” على حصة 30% في الرقعة البحرية رقم 8، بينما تحتفظ توتال إنرجيز وإيني بحصة 35% لكل منهما، مع استمرار توتال إنرجيز كالمشغل الرئيسي للمشروع. يُعد هذا الدخول القطري أول مشاركة مباشرة في أنشطة الاستكشاف البحري اللبنانية، ويستند إلى اتفاقيات تقاسم الإنتاج المعتمدة في قطاع النفط والغاز. وتقع الرقعة البحرية رقم 8 على بعد حوالي 70 كيلومترًا من السواحل اللبنانية، في منطقة ذات عمق يتراوح بين 1700 و2100 متر، وتعتبر من المناطق الواعدة في حوض شرق المتوسط.
الإطار الزمني وخطة العمل
تبلغ مدة المرحلة الأولية من الاستكشاف ثلاث سنوات، وستركز على إجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحة 1200 كيلومتر مربع. يهدف هذا المسح إلى جمع بيانات تفصيلية عن التركيبات الجيولوجية تحت سطح البحر، وتحديد المواقع المحتملة لحفر الآبار الاستكشافية. أكد رئيس هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان، غابي دعبول، أن الأعمال ستنطلق فوراً، وأن الهيئة تعمل على تسريع الإجراءات اللازمة لتحقيق أقصى استفادة من هذا المشروع.
أبعاد استراتيجية واقتصادية
لا يقتصر الاستثمار القطري على الجانب التقني فحسب، بل يحمل أيضاً أبعاداً سياسية واقتصادية مهمة. صرح العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، سعد بن شريدة الكعبي، بأن هذه الخطوة تأتي في إطار دعم جهود تطوير قطاع النفط والغاز في لبنان، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. ويرى خبراء اقتصاديون أن دخول قطر إلى هذا القطاع يمثل بداية لعلاقات جديدة بين البلدين، ويمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات أخرى في المستقبل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الخطوة تعكس اهتماماً متزايداً من دول الخليج بالاستثمار في قطاع الطاقة في لبنان، نظراً لموقعه الاستراتيجي وأهميته في خريطة الطاقة في شرق المتوسط. وتشير التقديرات إلى أن اكتشافات النفط والغاز في المياه اللبنانية يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، وتوفير فرص عمل جديدة. وتعتبر هذه الشراكة بمثابة إشارة إيجابية للمستثمرين الآخرين، وتشجعهم على الدخول في مشاريع مماثلة.
توقعات وانعكاسات مستقبلية
من المتوقع أن تطلق الحكومة اللبنانية جولة تراخيص رابعة في الأشهر القادمة، بهدف استقطاب المزيد من الشركات العالمية للتنقيب في البلوكات البحرية المتبقية. ويأمل وزير الطاقة والمياه اللبناني، جوزيف صدي، أن تساهم هذه الخطوة في زيادة الثقة بقطاع الطاقة اللبناني، وتشجيع الاستثمارات الجديدة.
ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه هذا القطاع، بما في ذلك الحاجة إلى تحديث القوانين واللوائح المتعلقة بالنفط والغاز، وتوفير البنية التحتية اللازمة لتطوير وإنتاج هذه الموارد. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوضع السياسي والأمني في لبنان لا يزال غير مستقر، مما قد يؤثر على سير العمل في هذا القطاع.
في الختام، يمثل دخول “قطر للطاقة” إلى قطاع الاستكشاف البحري في لبنان خطوة مهمة نحو استغلال الموارد الطبيعية للبلاد، وتحسين وضعه الاقتصادي. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف يتطلب جهوداً متواصلة وتضافرية من جميع الأطراف المعنية، بالإضافة إلى معالجة التحديات السياسية والأمنية التي تواجه البلاد. ومن المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة تطورات جديدة في هذا الملف، بما في ذلك إطلاق جولة التراخيص الرابعة، وبدء أعمال المسح الزلزالي في الرقعة البحرية رقم 8.
