تواصل المملكة العربية السعودية جهودها الطموحة لتنويع اقتصادها وتعزيز دور القطاع الصناعي، وفي هذا الإطار يبرز مصهر التيتانيوم في جازان كأحد المشاريع الاستراتيجية الرائدة. يهدف هذا المشروع إلى تحويل الثروات المعدنية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مما يدعم الصناعات المتقدمة ويساهم في تحقيق أهداف رؤية 2030. يُعد المصهر خطوة حاسمة في الانتقال من الاعتماد على بيع المواد الخام إلى بناء قاعدة صناعية قوية ومستدامة.
يقع مصهر أسيك في منطقة جازان، ويُعد الأكبر من نوعه عالمياً، حيث تبلغ طاقته الإنتاجية 500 ألف طن من مركزات التيتانيوم و250 ألف طن من الحديد الإسفنجي سنوياً. ويأتي هذا الإنتاج في وقت تشهد فيه المملكة اهتماماً متزايداً بتطوير قطاع التعدين والاستفادة من الإمكانات الهائلة التي تمتلكها.
أهمية مصهر التيتانيوم للاقتصاد السعودي
يمثل مصهر التيتانيوم في جازان نقلة نوعية في قطاع التعدين السعودي، حيث يساهم في تطوير سلسلة القيمة لهذه المادة الاستراتيجية. فبدلاً من تصدير خام التيتانيوم، يتم الآن معالجته وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل المواد المستخدمة في صناعة الطيران والمعدات الطبية.
وبحسب بيانات وزارة الصناعة والثروة المعدنية، فإن منطقة جازان تمتلك ثروات معدنية متنوعة تقدر بأكثر من 127 مليار ريال سعودي، تشمل التيتانيوم والزركونيوم والذهب والنحاس، بالإضافة إلى مواد البناء. ويتيح هذا التنوع للمنطقة أن تصبح مركزاً رئيسياً للتعدين والصناعات التحويلية.
الاستفادة من الموارد المحلية
تعتبر منطقة جازان غنية برواسب التيتانيوم، والتي تستخدم في صناعات متعددة مثل الطيران والفضاء والسيارات والمعدات الطبية. ويتيح المصهر الاستفادة القصوى من هذه الموارد المحلية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.
وفي تصريح للمتحدث الرسمي لوزارة الصناعة والثروة المعدنية، جراح بن محمد الجراح، في 11 يناير 2026، أكد على أن منطقة جازان تتمتع بتنوع غني في الخامات المعدنية، وأن المصهر يمثل جزءاً من خطة شاملة لتطوير القطاع الصناعي في المنطقة.
دعم الصناعات المتقدمة
يدخل الحديد الإسفنجي الذي ينتجه المصهر في صناعة الصلب عالي الجودة، والذي يستخدم في العديد من التطبيقات الصناعية المتقدمة. وبالتالي، يساهم المصهر في دعم نمو هذه الصناعات، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السعودية في الأسواق العالمية.
ويعتبر مصنع “أسيك” بمثابة حجر الزاوية في هذا التحول، حيث يوفر المواد الأولية اللازمة لإنتاج التيتانيوم والحديد الإسفنجي وفقاً لأعلى المعايير العالمية.
تأثير مصهر التيتانيوم على سلاسل الإمداد العالمية
يساهم مصهر التيتانيوم في جازان في تعزيز مكانة المملكة العربية السعودية في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاعات الطيران والمعدات الطبية. وبفضل إنتاجه من التيتانيوم والحديد الإسفنجي عالي الجودة، يمكن للمملكة أن تصبح مورداً موثوقاً به لهذه المواد الاستراتيجية.
ويشير المحلل الاقتصادي سعيد العبسي إلى أن المشروع يمثل نقلة نوعية في مسار التصنيع السعودي، حيث ينقل المملكة من مرحلة الاكتفاء باستغلال الموارد الطبيعية إلى مرحلة التصنيع المتقدم وتوطين سلاسل القيمة. ويؤكد العبسي أن الأهمية الحقيقية لا تكمن في توفر خام التيتانيوم بحد ذاته، بل في تحويله إلى منتجات صناعية عالية القيمة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن موقع جازان الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر يسهل عملية التصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، مما يزيد من جاذبية المنطقة للمستثمرين.
الاستثمارات المتزايدة في جازان
تشهد مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية استثمارات متزايدة، حيث تضم حالياً 189 مصنعاً باستثمارات تتجاوز 5.45 مليار ريال سعودي. كما بلغ إجمالي القروض الصناعية التي قدمها صندوق التنمية الصناعية السعودي للمنطقة 14.2 مليار ريال سعودي.
وتشير البيانات الرسمية إلى وجود 63 رخصة تعدينية سارية في جازان، تغطي مساحة 45.54 كيلومتراً مربعاً، بإجمالي استثمارات مباشرة تصل إلى 4 مليارات ريال سعودي. كما تم تطوير 11 مجمعاً تعدينياً في المنطقة، مما يعكس الاهتمام المتزايد بقطاع التعدين.
من المتوقع أن تشهد جازان المزيد من الاستثمارات في قطاع التعدين والصناعات التحويلية خلال السنوات المقبلة، مما سيعزز دورها كمركز صناعي رئيسي في المملكة.
وفي الختام، يمثل مصهر التيتانيوم في جازان خطوة مهمة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الصناعي. ومن المتوقع أن يستمر تطوير قطاع التعدين في جازان بوتيرة متسارعة، مع التركيز على توطين الصناعات المتقدمة وزيادة القيمة المضافة للموارد المحلية. وستظل متابعة التطورات في هذا المجال أمراً بالغ الأهمية لتقييم مدى نجاح هذه الجهود في تحقيق أهدافها المنشودة.
