يشهد الشرق الأوسط تحولاً ملحوظاً ليصبح وجهة جاذبة لشركات الذكاء الاصطناعي العالمية، مدفوعاً باستثمارات ضخمة وتكاليف طاقة تنافسية. وتستعد شركة “جي 42” الإماراتية لاستقبال أول شحنات من رقائق الحوسبة المتقدمة خلال الأشهر القادمة، مما يعزز طموحات أبوظبي في أن تصبح مركزاً عالمياً رائداً في هذا القطاع التكنولوجي الحيوي.
أعلن بينغ شياو، الرئيس التنفيذي لشركة “جي 42″، في مقابلة مع تلفزيون “بلومبيرغ” خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن الشحنات المتوقعة ستشمل رقائق من شركات رائدة مثل “إنفيديا” و”أدفانسد مايكرو ديفايسز”، بالإضافة إلى شركة “سيريبراس سيستمز” الأمريكية الناشئة. يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة اهتماماً متزايداً بالاستثمار في البنية التحتية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
الشرق الأوسط: مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي
تزايد جاذبية الشرق الأوسط لشركات الذكاء الاصطناعي يعود إلى عدة عوامل رئيسية. تعتبر وفرة رؤوس الأموال المتاحة للاستثمار، خاصة في دول الخليج، من أهم هذه العوامل. بالإضافة إلى ذلك، توفر المنطقة تكلفة طاقة منخفضة نسبياً، وهو أمر بالغ الأهمية لتشغيل مراكز الحوسبة عالية الكثافة التي تتطلب كميات هائلة من الطاقة.
وفي نوفمبر الماضي، وافقت الولايات المتحدة على بيع كميات كبيرة من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة لشركتي “جي 42″ و”هيوماين” السعودية، على الرغم من بعض المخاوف السياسية الأمريكية بشأن احتمال وصول هذه التقنيات إلى الصين. لاحقاً، وقعت الإمارات اتفاقية “باكس سيليكا” مع واشنطن بهدف تعزيز التعاون في مجال سلاسل توريد التكنولوجيا، مما يعكس التزامها بتطوير هذا القطاع بشكل مسؤول.
توسع البنية التحتية للحوسبة المتقدمة
تخطط شركة “جي 42” لتوسيع كبير في البنية التحتية للحوسبة المتقدمة في أبوظبي. من المقرر أن تدخل أول 200 ميغاواط من القدرة التشغيلية لمشروع تطوير مراكز البيانات حيز الخدمة خلال الشهرين المقبلين. وتعتزم الشركة إضافة قدرات تتراوح بين 200 و500 ميغاواط كل ثلاثة أشهر، بهدف الوصول إلى قدرة إجمالية تبلغ حوالي 5 غيغاواط خلال السنوات القادمة.
هذا التوسع يرتبط بشكل وثيق بمبادرة “ستارغيت” التابعة لشركة “أوبن إيه آي”، والتي تهدف إلى إنشاء مراكز حوسبة متقدمة خارج الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن الطلب على الحوسبة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي للمستخدمين يتزايد بسرعة، مما يجعل الاستثمار في البنية التحتية أمراً ضرورياً.
وعلى الرغم من بعض المخاوف بشأن احتمال حدوث فائض عالمي في طاقة مراكز البيانات، يرى بينغ شياو أن هذه المخاوف “غير مبررة”، مؤكداً أن المعروض الحالي لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد على الحوسبة المتقدمة. ويشير إلى أن “المعروض سيكافح لمواكبة الطلب” في ظل التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي.
تلعب “جي 42″، التي يترأس مجلس إدارتها الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، دوراً محورياً في استراتيجية الإمارات للتحول إلى لاعب عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد أبرمت الشركة شراكة بقيمة 1.5 مليار دولار مع “مايكروسوفت” لتعزيز التعاون في هذا المجال. كما أنها شريك مؤسس لمنصة “MGX” الاستثمارية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الصندوق السيادي “مبادلة للاستثمار”.
وتشهد دول إقليمية أخرى، مثل السعودية وقطر، أيضاً زيادة في استثماراتها في قطاع الذكاء الاصطناعي، مما يعكس الوعي المتزايد بأهمية هذه التكنولوجيا في دفع عجلة النمو الاقتصادي والتنويع. وتشير التقارير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد نمواً سريعاً في سوق الذكاء الاصطناعي، مدفوعاً بالتحول الرقمي المتسارع والطلب المتزايد على الحلول الذكية.
من المتوقع أن تستمر الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط في النمو خلال السنوات القادمة، مع التركيز على تطوير البنية التحتية للحوسبة المتقدمة وجذب الشركات العالمية الرائدة. وستشهد الأشهر القليلة القادمة وصول الشحنات الأولى من رقائق الحوسبة المتقدمة إلى الإمارات، مما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق طموحات المنطقة في أن تصبح مركزاً عالمياً للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي. يبقى من المهم مراقبة التطورات التنظيمية والسياسية التي قد تؤثر على هذا النمو، بالإضافة إلى التطورات التكنولوجية السريعة التي تشكل مستقبل هذا القطاع.
