أعلنت الولايات المتحدة عن مبادرة جديدة للوساطة في نزاع سد النهضة الإثيوبي، في محاولة لإنهاء الجمود الذي استمر لسنوات في المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا. يأتي هذا العرض في ظل مخاوف متزايدة بشأن تأثير السد على حصة مصر والسودان من مياه النيل، خاصة بعد إعلان إثيوبيا اكتمال ملء السد وافتتاحه في سبتمبر الماضي. تهدف هذه الوساطة إلى إيجاد حل دبلوماسي يضمن الاستخدام العادل والمستدام لموارد المياه المشتركة.
تأتي هذه المبادرة في وقت حرج، حيث تسعى الأطراف الثلاثة إلى التوصل إلى اتفاق شامل يراعي مصالح الجميع. وقد أرسل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسائل رسمية إلى رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا، بالإضافة إلى قادة السعودية والإمارات، معربًا عن رغبته في المساعدة على حل هذه القضية المعقدة.
الخلاف حول سد النهضة: تطورات وجذور المشكلة
يعود الخلاف حول سد النهضة إلى إعلان إثيوبيا عن بناء السد في عام 2011، دون التشاور الكافي مع مصر والسودان، اللتين تعتبران النيل شريان حياتهما. تخشى مصر والسودان من أن يؤدي ملء السد إلى تقليل تدفق المياه إليهما، مما قد يؤثر سلبًا على الزراعة والصناعة وشرب المياه.
وقد شهدت المفاوضات بين الأطراف الثلاثة عدة جولات برعاية دول مختلفة، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، لكنها لم تسفر عن اتفاق نهائي. تصر إثيوبيا على حقها في استخدام مياه النيل لتنمية اقتصادها، بينما تطالب مصر والسودان بضمانات قانونية ملزمة تضمن عدم الإضرار بحصتيهما المائية.
مبادرات سابقة ودور الولايات المتحدة
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها الولايات المتحدة في هذا الخلاف. ففي عام 2020، رعت وزارة الخزانة الأمريكية مفاوضات بين الأطراف الثلاثة أسفرت عن مسودة اتفاق مبدئي، لكن إثيوبيا رفضت التوقيع عليها، متهمة الإدارة الأمريكية بالتحيز لمصر. كما أرسل الرئيس ترامب مبعوثًا خاصًا إلى المنطقة، لكن جهوده لم تحقق تقدمًا ملموسًا.
تختلف المبادرة الحالية عن المحاولات السابقة في عدة جوانب. أولاً، يمثل الخطاب الرسمي الذي وجهه الرئيس ترامب إلى قادة الدول المعنية تحولًا في النهج الأمريكي. ثانيًا، تتضمن المبادرة دعوة إلى مشاركة السعودية والإمارات في جهود التوصل إلى حل، نظرًا لدورهما الإقليمي وتأثيرهما على إثيوبيا.
الاعتبارات السياسية والاقتصادية للمبادرة
تأتي مبادرة ترامب في سياق رؤيته لتحقيق “سلام مستدام في الشرق الأوسط وأفريقيا”، حيث يرى أن حل قضية سد النهضة يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق هذا الهدف. كما أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على استقرار المنطقة، وتجنب أي صراع عسكري محتمل بين مصر وإثيوبيا.
إضافة إلى ذلك، هناك اعتبارات اقتصادية تلعب دورًا في هذه المبادرة. فالولايات المتحدة مهتمة بتصدير الكهرباء المولدة من السد إلى دول الجوار، مما قد يعزز التنمية الاقتصادية في المنطقة. كما أن السعودية والإمارات لديهما استثمارات كبيرة في إثيوبيا، ويرغبان في حماية هذه الاستثمارات.
ومع ذلك، هناك بعض المخاوف بشأن هذه المبادرة. فقد يرى البعض أن تركيز ترامب على “تقاسم” المياه قد يهدد الحصص التاريخية لمصر والسودان، وهو ما ترفضه الدولتان. كما أن ربط القضية بأزمات إقليمية أخرى قد يقلل من أهميتها ويؤخر التوصل إلى حل.
بالإضافة إلى ذلك، يثير توقيت المبادرة تساؤلات حول دوافعها الحقيقية. فقد يرى البعض أن ترامب يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال إطلاق هذه المبادرة، خاصة في ظل مساعيه للحصول على جائزة نوبل للسلام.
مستقبل المفاوضات والتحديات القائمة
على الرغم من هذه المخاوف، تعتبر مبادرة ترامب فرصة أخيرة للتوصل إلى حل دبلوماسي لقضية سد النهضة. ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة جولة جديدة من المفاوضات بين الأطراف الثلاثة، برعاية الولايات المتحدة.
يبقى التحدي الأكبر هو إقناع إثيوبيا بالتنازل عن بعض مواقفها، والقبول بضمانات قانونية ملزمة تضمن عدم الإضرار بمصالح مصر والسودان. كما أن بناء الثقة بين الأطراف الثلاثة يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح المفاوضات.
من المتوقع أن تركز المفاوضات القادمة على وضع آلية واضحة وملزمة لملء وتشغيل السد، بالإضافة إلى تحديد حصص المياه لكل دولة. وسيكون من الضروري أيضًا إشراك خبراء فنيين وقانونيين في المفاوضات، لضمان التوصل إلى اتفاق عادل ومستدام.
في الختام، تظل قضية سد النهضة معلقة، وتتطلب جهودًا مكثفة من جميع الأطراف المعنية للتوصل إلى حل يرضي الجميع. وسيكون من المهم متابعة تطورات المفاوضات القادمة، وتقييم مدى التزام الأطراف الثلاثة بالتوصل إلى اتفاق نهائي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
