شهدت سوريا تطورات متسارعة خلال الأيام القليلة الماضية، تمحورت حول اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” يهدف إلى تحقيق الاستقرار وإعادة بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق الشمال والشرق. هذا التطور يأتي بعد اشتباكات عنيفة، ويشكل نقطة تحول محتملة في مستقبل سوريا، حيث تسعى دمشق لتوحيد صفوفها ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتراكمة.
أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن توقيع اتفاق شامل لوقف إطلاق النار واندماج قوات “قسد” في الجيش السوري والأجهزة الأمنية. وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق بعد محادثات مكثفة برعاية روسية، ويهدف إلى إنهاء حالة التوتر التي سادت في شمال وشرق البلاد مؤخراً. الرئيس السوري بشار الأسد أكد على أهمية وحدة الأراضي السورية وسيادتها، ورفض أي محاولات لتقسيم البلاد.
الوضع في سوريا: نحو إعادة الاستقرار والسيادة
الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يمثل تتويجاً لجهود طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الاستقرار في سوريا. بدأت هذه الجهود بعد سنوات من الصراع والتقسيم، حيث سعت دمشق إلى استعادة السيطرة على المناطق التي كانت خارجة عن سيطرتها. وقد تلقت هذه الخطوة ترحيباً واسعاً من قبل العديد من الأطراف العربية والدولية، التي ترى فيها فرصة لإنهاء الأزمة السورية.
خلفية الاشتباكات الأخيرة
اندلعت الاشتباكات بين الجيش السوري و”قسد” في أعقاب محاولة لتنفيذ اتفاق أولي يقضي بانسحاب “قسد” من مناطق غرب نهر الفرات. إلا أن الأمور سرعان ما تصاعدت، وتحولت إلى مواجهات مسلحة أدت إلى سقوط ضحايا وأضرار مادية كبيرة. وقد أدت هذه الاشتباكات إلى تعقيد الوضع في سوريا، وزادت من المخاوف بشأن مستقبل المنطقة.
وتشير التقارير إلى أن الخلافات الرئيسية بين الطرفين كانت تتعلق بمسألة التمثيل السياسي لقوات “قسد” في مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى توزيع السلطة والموارد في المناطق المتنازع عليها.
المرسوم الرئاسي وتأكيد الهوية الكردية
في خطوة موازية، أصدر الرئيس الأسد المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، والذي يؤكد على أن المواطنين السوريين الكرد يشكلون جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري. ويعتبر هذا المرسوم بمثابة اعتراف رسمي بالهوية الكردية في سوريا، ويهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية والتصالح بين جميع المكونات السورية.
هذا الاعتراف يأتي في سياق الجهود المبذولة لضمان مشاركة جميع السوريين في عملية إعادة بناء البلاد، وتحقيق التنمية المستدامة. كما يعكس رغبة دمشق في بناء علاقات جيدة مع الجيران، وخاصة تركيا، التي تعتبر وجود قوات “قسد” في شمال سوريا تهديداً لأمنها القومي.
بالإضافة إلى ذلك، يراقب المراقبون عن كثب الدور الذي تلعبه روسيا كضامن رئيسي لهذا الاتفاق، وتأثير ذلك على التوازنات الإقليمية. كما أن مسألة إعادة إعمار سوريا، التي دمرها سنوات الحرب، تمثل تحدياً كبيراً يتطلب جهوداً دولية مكثفة.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات. وتعتمد عملية الإعمار بشكل كبير على توفير التمويل اللازم، بالإضافة إلى إزالة الألغام وتطهير المناطق المتضررة.
الوضع الاقتصادي في سوريا يظل هشاً للغاية، مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم. ويحتاج الاقتصاد السوري إلى إصلاحات هيكلية شاملة لجذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام.
من الجوانب الأخرى ذات الصلة، يراقب المجتمع الدولي عن كثب تنفيذ الاتفاق المتعلق بتبادل الأسرى والمعتقلين بين الطرفين. وتعتبر هذه القضية من القضايا الإنسانية الهامة التي يجب حلها في إطار عملية المصالحة الوطنية.
في الختام، يمثل الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار في سوريا، ولكنه يواجه العديد من التحديات والعقبات. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المفاوضات والتنسيق بين الطرفين لتنفيذ بنود الاتفاق بشكل كامل. يبقى من الضروري مراقبة تطورات الوضع عن كثب، وتقييم مدى تأثير هذا الاتفاق على مستقبل سوريا والمنطقة بشكل عام.
