أصبحت الألعاب الإلكترونية صناعة عالمية ضخمة تتجاوز مجرد الترفيه، وتتداخل مع قطاعات استراتيجية مثل التعليم والرعاية الصحية والتخطيط الحضري. وتسعى المملكة العربية السعودية، بقيادة صندوق الاستثمارات العامة، إلى أن تصبح مركزًا رئيسيًا لهذه الصناعة المتنامية، مستثمرةً بشكل كبير في شركات الألعاب العالمية وتطوير القدرات المحلية. يهدف هذا التحول إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتعزيز مكانتها كقوة صاعدة في مجال التكنولوجيا والابتكار.
تُظهر الاستثمارات الأخيرة لشركة “أيار” للاستثمار، الذراع الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة، التزامًا قويًا بقطاع الألعاب. فقد أعلنت “أيار” عن امتلاكها حصصًا كبيرة في شركات ألعاب يابانية بارزة مثل “بانداي نامكو” و”نيكسون” و”كوي تيكمو”، مما يعكس استراتيجية المملكة لتوسيع نطاق تأثيرها في هذا السوق الحيوي. وقد أدت هذه الاستثمارات إلى ارتفاع أسعار أسهم شركات الألعاب اليابانية، مما يؤكد الثقة في مستقبل هذا القطاع.
تطوير صناعة الألعاب الإلكترونية في السعودية
لا تقتصر جهود المملكة على الاستثمار في شركات قائمة، بل تشمل أيضًا تطوير صناعة ألعاب محلية قوية. في عام 2022، أسس صندوق الاستثمارات العامة مجموعة “ساڤي” للألعاب الإلكترونية، وهي شركة تهدف إلى بناء منظومة متكاملة لتطوير ونشر الألعاب في السعودية. وقد قامت “ساڤي” بالفعل بالاستحواذ على شركات ألعاب عالمية مثل “سكوبيلي” و”نيانتيك”، مما يمنحها قاعدة قوية من الخبرة والتكنولوجيا.
بالإضافة إلى ذلك، يشارك صندوق الاستثمارات العامة في تحالف استثماري للاستحواذ على شركة “إلكترونيك آرتس” (EA)، وهي واحدة من أكبر شركات تطوير ونشر الألعاب في العالم. تُقدر قيمة هذه الصفقة بنحو 55 مليار دولار، وتُظهر الطموح السعودي في أن يصبح لاعبًا رئيسيًا في صناعة الألعاب العالمية. هذه الخطوات تتماشى مع رؤية المملكة 2030 لتنويع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات غير النفطية.
النمو المتسارع لسوق الألعاب في المملكة
تشير البيانات الحديثة إلى نمو كبير ومتسارع في سوق الألعاب الإلكترونية السعودية. فقد بلغ حجم السوق 1.84 مليار دولار في عام 2024، مع وجود حوالي 23 مليون لاعب نشط يمثلون 67% من السكان. ويشكل الشباب دون سن 35 عامًا الغالبية العظمى من اللاعبين، مما يشير إلى استدامة نمو القطاع على المدى الطويل.
وتشير التقديرات إلى أن سوق الألعاب السعودية سيستمر في النمو ليصل إلى 3.5 مليار دولار بحلول عام 2030. ومن المتوقع أن تلعب ألعاب الهواتف المحمولة دورًا رئيسيًا في هذا النمو، حيث استحوذت على أكثر من نصف إيرادات السوق في عام 2024. كما أن الألعاب المجانية تحظى بشعبية كبيرة، حيث تمثل 63% من الإيرادات.
تستهدف المملكة توفير حوالي 39 ألف وظيفة في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بحلول عام 2030. وتعتمد هذه الخطة على تطوير البنية التحتية، واستضافة البطولات الكبرى، وجذب الاستثمارات الأجنبية. وتسعى المملكة أيضًا إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا للرياضات الإلكترونية، من خلال تنظيم الفعاليات الكبرى ودعم اللاعبين المحترفين.
الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو
يرى خبراء التقنية أن الذكاء الاصطناعي (AI) يلعب دورًا حاسمًا في تطوير صناعة الألعاب. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في خفض تكاليف التطوير، وتسريع دورات الإنتاج، وتحسين جودة الألعاب. وتستثمر المملكة بشكل كبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف الاستفادة منها في تطوير صناعة الألعاب المحلية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى ذات صلة، مثل التعليم والتدريب. فالألعاب التعليمية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكن أن توفر تجربة تعليمية مخصصة وفعالة. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير برامج التدريب المهني، لمساعدة الشباب على اكتساب المهارات اللازمة للعمل في قطاع الألعاب.
إن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للمملكة لتعزيز مكانتها كمركز للابتكار والتكنولوجيا. ومن خلال تطوير حلول الذكاء الاصطناعي المبتكرة، يمكن للمملكة أن تصبح رائدة في مجال الألعاب الإلكترونية والرياضات الإلكترونية.
في الختام، تواصل المملكة العربية السعودية خطواتها الجادة نحو بناء صناعة ألعاب إلكترونية مزدهرة. من المتوقع أن تشهد المملكة المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع في المستقبل القريب، وأن تستضيف المزيد من الفعاليات الكبرى. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب التغلب عليها، مثل تطوير المهارات المحلية، وبناء منظومة قانونية وتنظيمية مناسبة. وسيكون من المهم مراقبة التقدم المحرز في هذه المجالات، لتقييم مدى نجاح رؤية المملكة في أن تصبح مركزًا عالميًا للألعاب الإلكترونية.
