تدرس الهند حاليًا قانونًا جديدًا يهدف إلى تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا فيما يتعلق بالبيانات المحمية بحقوق النشر. تقترح المسودة إلزام شركات الذكاء الاصطناعي بدفع رسوم ترخيص مقابل استخدام الأعمال المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذجها داخل البلاد. هذا الإجراء، إذا تم إقراره، قد يكون له تأثير كبير على الشركات العالمية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي والتي تعتمد على البيانات الهندية في تطوير تقنياتها.
تأثير محتمل على شركات الذكاء الاصطناعي العالمية
تعتبر الهند سوقًا متناميًا بسرعة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتستحوذ على حصة كبيرة من مستخدمي هذه التقنيات. وفقًا لتقارير حديثة، تعد الهند ثاني أكبر سوق لـ ChatGPT بعد الولايات المتحدة، والأسرع نموًا لمحرك البحث الذكي Perplexity. بالإضافة إلى ذلك، فهي موطن لأكبر قاعدة مستخدمين عالميًا لتطبيقات مثل WhatsApp وFacebook.
وقد جذبت هذه الإمكانات الاستثمارية الضخمة، حيث أعلنت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Microsoft وGoogle وAmazon عن استثمارات تتجاوز 67 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الهند. وبالنظر إلى هذا الحجم الهائل للسوق، فإن الهند في وضع يسمح لها بفرض شروطها على الشركات العاملة في هذا المجال.
البيانات المحلية وأهميتها
تكمن قوة الهند أيضًا في تنوعها اللغوي والثقافي. تسعى الحكومة الهندية إلى تطوير نماذج لغوية متعددة اللغات لتلبية الاحتياجات المحلية المتنوعة. يتطلب هذا تطوير نماذج تعتمد على بيانات محلية مملوكة لمبدعين هنود، مما يعزز الحجة القائلة بضرورة تعويضهم ماليًا عن استخدام أعمالهم.
هذا التوجه ليس فريدًا للهند. فالبرازيل تدرس حاليًا مشروع قانون مماثل يهدف إلى حماية حقوق أصحاب الأعمال الإبداعية. كما شهدت الولايات المتحدة ودول أخرى رفع العشرات من الدعاوى القضائية بسبب استخدام مواد محمية بحقوق النشر دون الحصول على إذن مسبق. في الهند تحديدًا، رفعت وكالة الأنباء ANI دعوى قضائية ضد OpenAI.
الجدل حول “الاستخدام العادل”
تعتمد العديد من الدول، مثل الولايات المتحدة، على مبدأ “الاستخدام العادل” (Fair Use) الذي يسمح باستخدام المواد المحمية بحقوق النشر في ظروف معينة، مثل البحث أو النقد أو التعليم. بينما تتبنى أوروبا نظام “الانسحاب” (Opt-out) الذي يضع عبء مراقبة استخدام الأعمال الإبداعية على أصحاب الحقوق أنفسهم.
ومع ذلك، يواجه كلا النموذجين تحديات كبيرة، أبرزها الافتقار إلى الشفافية فيما يتعلق ببيانات التدريب المستخدمة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. تشير التقارير إلى أن الشركات أصبحت أقل انفتاحًا بمرور الوقت بشأن مصادر بياناتها.
مقترح الهند: ترخيص إلزامي
تقترح الحكومة الهندية نظامًا مختلفًا تمامًا، وهو نظام الترخيص الإلزامي. يتضمن هذا النظام فرض رسوم ترخيص على شركات الذكاء الاصطناعي كنسبة مئوية من إيراداتها العالمية. ستقوم هيئة مستقلة بجمع هذه الرسوم وتوزيعها على المبدعين المسجلين.
يهدف هذا النظام إلى توفير اليقين القانوني للشركات والمبدعين على حد سواء. فبدلاً من سنوات من التقاضي المكلف، ستعرف الشركات المبلغ الذي يتعين عليها دفعه، وسيكون المبدعون على ثقة من أنهم سيحصلون على تعويض عادل عن استخدام أعمالهم.
لكن المقترح واجه بعض الاعتراضات داخل الهند. ترى جمعية Nasscom، وهي جماعة ضغط تمثل شركات التكنولوجيا، أن الترخيص الإلزامي قد يعيق الابتكار. كما يحذر خبراء قانونيون من أن كبار المبدعين قد يستحوذون على الجزء الأكبر من الرسوم، بينما قد يحصل المبدعون الصغار على نصيب ضئيل. بالإضافة إلى ذلك، يمنع المقترح المبدعين من رفض استخدام أعمالهم.
مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي
مع استمرار الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، من غير المرجح أن تتخلى الشركات عن السوق الهندية. إذا تمكنت هذه الشركات من التكيف مع النموذج الهندي، فقد يصبح من الأسهل توسيع نطاق هذا الإطار ليشمل دولًا أخرى، على غرار ما حدث مع اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) الأوروبية.
من المتوقع أن يتم عرض مسودة القانون على البرلمان الهندي للمناقشة والموافقة عليها في الأشهر المقبلة. سيكون من المهم مراقبة التطورات القانونية والسياسية في الهند، حيث يمكن أن يكون لها تأثير كبير على مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. كما يجب متابعة ردود فعل الشركات العالمية والمبدعين الهنود على هذا المقترح، وتقييم مدى نجاحه في تحقيق التوازن بين حماية حقوق الملكية الفكرية وتعزيز الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.
