تسبب التطورات الأخيرة في حلب، بما في ذلك الانسحاب التكتيكي لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” من بعض الأحياء، في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في سوريا. هذا الانسحاب أثار تساؤلات حول قدرة “قسد” على الحفاظ على نفوذها في مناطق سيطرتها غرب نهر الفرات، بينما عززت الحكومة السورية موقفها، مستغلةً الزخم الجديد في معركتها نحو دير حافر، تمهيدًا لعمليات محتملة أوسع شرق النهر.
بدأت الأحداث بتصعيد عسكري محدود في حلب، حيث تمكنت قوات الحكومة السورية من تحقيق تقدم في حي الأشرفية والشيخ مقصود. هذا التقدم تزامن مع تغييرات في التحالفات المحلية، حيث أبدت بعض العشائر العربية، التي كانت سابقًا جزءًا من صفوف “قسد”، دعمًا للحكومة السورية. تأتي هذه التطورات في سياق مفاوضات معقدة بين مختلف الأطراف الفاعلة، بما في ذلك سوريا و”قسد” والجهات الدولية المعنية.
تحولات في ميزان القوى: دور “قسد” ومستقبلها
يشير المحللون إلى أن تحركات الحكومة السورية في حلب كانت محكومة بقيود إقليمية ودولية. لم تظهر هذه القيود في شكل ضغوط مباشرة على دمشق، ولكنها أثرت على نطاق العمليات العسكرية. في المقابل، لم تستخدم “قسد” كامل قوتها العسكرية في المعركة، مما يوحي بفهم ضمني لحدود الصراع التي رسمتها الدول المعنية.
أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في هذه التطورات هو تحريك الحكومة السورية لورقة العشائر العربية داخل صفوف “قسد”. هذا التحرك فتح ثغرة في حي الأشرفية، مما سمح لقوات وزارة الدفاع السورية بالتقدم بعدما مهدت الطريق لها عناصر من عشيرة البكارة.
التدخلات الإقليمية والدولية
وعلى الرغم من أن المعركة في حلب كانت محدودة النطاق، إلا أنها جذبت انتباه القوى الإقليمية والدولية. دعت العديد من الدول إلى التهدئة، باستثناء تركيا، التي سعت إلى تحقيق مكاسب من خلال التنازلات السورية بشأن قضايا أخرى. كما باشرت فرنسا جهودًا دبلوماسية مباشرة مع الحكومة السورية، مستندةً إلى علاقاتها الوثيقة مع “قسد” ودعم الزعيم الكردي مسعود بارزاني.
أما الولايات المتحدة، فقد اتخذت موقفًا حذرًا، مع التأكيد على علاقاتها الجيدة مع كلا الطرفين. وأشار مبعوثها إلى سوريا، توم باراك، إلى أن الصراع مرتبط بالمرحلة الانتقالية، مؤكدًا على أهمية وجود دولة موحدة ومؤسسات وطنية تضمن حقوق جميع المكونات السورية.
رسائل أمريكية وتوقعات مستقبلية
يرى بعض المحللين أن خيبة الأمل الأمريكية من فشل المفاوضات الأخيرة بين دمشق و”قسد” دفعت واشنطن إلى إعطاء الضوء الأخضر للعمليات العسكرية السورية في حلب. ويعتقدون أن هذا الضوء الأخضر قد يمتد إلى بقية المناطق التي تسيطر عليها “قسد” غرب نهر الفرات.
في المقابل، يرى آخرون أن “قسد” ستظل قوة مؤثرة في المعادلة السورية، مدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا وبعض الدول العربية. ويشيرون إلى أن انسحاب “قسد” من بعض الأحياء جاء نتيجة تفاهمات دولية تهدف إلى حماية السكان المدنيين ومنع وقوع مجازر.
ومع ذلك، يرى المفكر السوري الكردي كاوا مسعود أن “قسد” ستبقى رقماً صعباً في المعادلة السورية، وأن واشنطن لن تسمح للمسار العسكري بالوصول إلى شرقي الفرات، لأنها تعي أن قوات سوريا الديمقراطية هي الجهة الوحيدة التي يمكن التعويل عليها في مسألة حسم الصراع مع تنظيم داعش.
الوضع الحالي يشير إلى أن الحكومة السورية تسعى إلى استعادة السيطرة على مناطق أوسع في غرب الفرات، بينما تحاول “قسد” الحفاظ على نفوذها في شرق الفرات. من المتوقع أن تستمر المفاوضات بين مختلف الأطراف، مع التركيز على إيجاد حل سياسي يضمن حقوق جميع المكونات السورية.
في الأيام والأسابيع القادمة، يجب مراقبة التطورات في دير حافر، حيث بدأت القوات السورية في التحشد. كما يجب متابعة ردود فعل القوى الإقليمية والدولية، وخاصة الولايات المتحدة وروسيا وتركيا. النجاح في تحقيق الاستقرار في سوريا يتطلب تعاونًا دوليًا وجهودًا حثيثة لإيجاد حل سياسي شامل.
