إطلاق كرسي “تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي” في جامعة غرناطة الإسبانية يمثل خطوة استراتيجية هامة لدعم وتعزيز مكانة اللغة العربية في الأوساط الأكاديمية العالمية. جاء الإعلان عن الكرسي، الذي أُسس بمبادرة من وزارة الخارجية القطرية وبالتعاون مع جامعة غرناطة، خلال الحوار الاستراتيجي الأول بين قطر وإسبانيا في يونيو 2024، مؤكداً التزام مؤسسة قطر بالتبادل الأكاديمي والثقافي.
أعلنت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عن إطلاق الكرسي يوم الأربعاء (7 يناير 2026)، مشيرةً إلى أنه ليس مجرد مبادرة ثقافية، بل استثمار طويل الأمد في الحفاظ على التراث الحضاري العربي وتعزيز دوره في المشهد المعرفي العالمي. يهدف الكرسي إلى دعم الأبحاث المتخصصة في اللغة العربية والتراث الأندلسي، وتعزيز دراسة العربية وفق المناهج الأندلسية التقليدية.
أهمية كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي
يأتي إنشاء الكرسي في سياق متزايد الأهمية لتعزيز التعاون الثقافي والعلمي بين قطر وإسبانيا. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة ترسيخ للتبادل المعرفي بين مؤسسة قطر والمؤسسات الأكاديمية العالمية من خلال جامعة حمد بن خليفة. بالإضافة إلى ذلك، يهدف الكرسي إلى دعم الأبحاث المتخصصة في اللغة العربية والتراث الأندلسي، وتعزيز دراسة اللغة العربية وفق المناهج الأندلسية التقليدية وربطها بالسياقات الأكاديمية الحديثة.
أهداف الكرسي التفصيلية
تشمل أهداف الكرسي إجراء أبحاث متعمقة في العمارة والفنون الأندلسية، وتاريخ غرناطة العلمي والثقافي. كما يهدف إلى تنظيم ندوات ومعارض تساهم في تعزيز الحوار بين الثقافات والحفاظ على المخطوطات الأندلسية. بالإضافة إلى ذلك، يسعى الكرسي إلى إحياء الدور التعليمي والفكري لمدرسة اليوسفية، التي كانت من أبرز الصروح العلمية في الأندلس.
أكدت مؤسسة قطر أن هذه المبادرة تندرج ضمن التزامها بدعم المعرفة الإنسانية وإبراز إسهامات الحضارة الإسلامية، وتعزيز حضور اللغة العربية عالمياً من خلال شراكات استراتيجية مع جامعات ومؤسسات بحثية مرموقة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس رؤية قطر في الاستثمار في الثقافة والمعرفة كأدوات للدبلوماسية وتعزيز التفاهم بين الحضارات.
رمزية غرناطة وأثرها التاريخي
لم يكن اختيار مدينة غرناطة عشوائياً، بل يحمل دلالات تاريخية وثقافية عميقة. فغرناطة كانت يوماً مركزاً للعلم والثقافة في الأندلس، واحتضنت مدارس ومكتبات غنية بالمخطوطات. كما أنها كانت نقطة التقاء بين الحضارات، حيث تلاقت العلوم العربية والإسلامية مع أوروبا. يعكس اختيار غرناطة رغبة في إحياء هذا الإرث واستعادة دور المدينة كمركز للعلم والمعرفة.
تتميز غرناطة بتاريخها الغني والمتنوع في مجالات المعرفة المختلفة، مثل الطب والفلك والرياضيات والفلسفة وعلوم اللغة. وقد برز علماء غرناطيون ساهموا في تطوير العلوم ونقلها للأجيال اللاحقة. كما لعبت المدينة دوراً محورياً في انتقال العلوم العربية إلى أوروبا بعد سقوط الأندلس.
يرى الباحث في شؤون اللغة العربية د. فراس هاشم إدريس أن إطلاق الكرسي يعيد وصل البحث العلمي المعاصر بالذاكرة الأندلسية، ويعزز مكانة العربية كلغة علم وحاضنة فكر عالمي. ويؤكد إدريس أن هذه المبادرة تمثل استثماراً ثقافياً واستراتيجياً طويل الأمد في اللغة العربية وتراثها الحضاري.
وأضاف إدريس أن الشراكة بين قطر وجامعة غرناطة تجسد رؤية ثقافية بعيدة المدى، وتجعل اللغة العربية محوراً للحوار الأكاديمي بين الشرق والغرب. كما أنها تعزز الدبلوماسية الثقافية القائمة على الحوار الفكري والمعرفي، وتعمق الفهم المتبادل بين المجتمعات العربية والأوروبية.
من المتوقع أن يبدأ الكرسي في استقبال الطلاب والباحثين في الخريف القادم، وأن يطلق سلسلة من البرامج والمبادرات التي تهدف إلى تعزيز دراسة اللغة العربية والتراث الأندلسي. وستشمل هذه البرامج تنظيم ورش عمل وندوات ومؤتمرات، بالإضافة إلى دعم الأبحاث العلمية ونشرها. يبقى أن نرى كيف ستسهم هذه المبادرة في تعزيز مكانة اللغة العربية في الأوساط الأكاديمية العالمية، وما هي الآثار المترتبة عليها على المدى الطويل.
