يمثل توجيه السلطان هيثم بن طارق لدراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع العُماني، وتحديد تأثير منصات التواصل الاجتماعي، خطوة استراتيجية هامة. يهدف هذا التوجيه إلى فهم أعمق للتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي على النسيج الاجتماعي والثقافي في سلطنة عُمان، ووضع حلول استباقية لمعالجة أي آثار سلبية محتملة. يأتي هذا في وقت يشهد فيه العالم، والخليج بشكل خاص، زيادة كبيرة في الاعتماد على هذه المنصات في مختلف جوانب الحياة اليومية.
أصدر السلطان هيثم بن طارق هذا التوجيه خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء الثلاثاء (6 يناير 2026)، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء العُمانية. وقد شدد على أهمية دراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع، ووضع سياسات وآليات عمل فعالة لتعزيز القيم الإيجابية وتقليل تأثير المحتوى الضار المنتشر عبر الإنترنت. يعكس هذا الاهتمام بالشأن الاجتماعي والثقافي، وضرورة حماية المجتمع العُماني، خصوصاً فئة الشباب.
الفضاء الرقمي والتأثيرات الاجتماعية في عُمان
لم يعد تأثير الفضاء الرقمي مقتصراً على مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل السلوكيات والقيم والأفكار لدى الأفراد. وتثير هذه التحولات قلقاً متزايداً في سلطنة عُمان، كما هو الحال في العديد من الدول الأخرى، بشأن الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية. تعتبر هذه القضية ذات أهمية خاصة في دول الخليج، حيث تلعب التقاليد والعادات دوراً محورياً في حياة الناس.
تزايدت التحذيرات من الآثار السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك انتشار المعلومات المضللة، والتنمر الإلكتروني، والإدمان الرقمي، وتأثيرها على العلاقات الأسرية. وتشير التقارير إلى أن هذه المنصات يمكن أن تساهم في تغييرات سريعة في أنماط التفكير والسلوك، خاصة بين الشباب.
تحديات الهوية والقيم
يرى خبراء أن التفاعل المستمر مع ثقافات وقيم عالمية مختلفة عبر الإنترنت قد يخلق توتراً بين المحافظة على القيم المحلية والاندماج في قيم جديدة. هذا التوتر يمكن أن يؤدي إلى إعادة تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية، وهو ما تسعى الحكومة العُمانية إلى فهمه وإدارته بشكل فعال.
بالإضافة إلى ذلك، فإن انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي يمثل تهديداً محتملاً للسلم الأهلي والثقة بالمؤسسات. لذلك، فإن معالجة هذه الظواهر تتطلب جهوداً متضافرة من مختلف الجهات الحكومية والمجتمعية.
السيادة الرقمية وأمن المجتمع
يعتبر البعض أن التركيز على تنظيم الفضاء الرقمي يمثل خطوة نحو تحقيق “السيادة الرقمية”، وهي القدرة على التحكم في البيانات والمعلومات المتدفقة عبر الإنترنت وحماية المصالح الوطنية. ويرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بأمن المجتمع واستقراره، حيث يمكن أن يؤدي التدخل الخارجي عبر الإنترنت إلى زعزعة الاستقرار وتقويض الوحدة الوطنية.
أكد الأكاديمي د. واثق عباس أن هذا التوجيه يمثل تحولاً نوعياً في الفكر الاستراتيجي العُماني، حيث ينتقل التركيز من مجرد المراقبة إلى البحث العلمي والفهم الاجتماعي العميق. وأضاف أن هذا التوجه يعكس حرصاً واعياً على حماية القيم والهوية العُمانية في مواجهة التدفقات الثقافية الرقمية.
الآثار المحتملة لمنصات التواصل
تشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى مجموعة متنوعة من الآثار، بما في ذلك:
- تغييرات في طرق التواصل بين الأفراد، مما يؤثر على القيم الاجتماعية التقليدية.
- زيادة الوعي بالقضايا الاجتماعية والصحية والتعليمية.
- تغييرات سلوكية سريعة لدى الشباب نتيجة للتعرض المستمر لمحتوى غير متوازن.
- تأثير على العلاقات الأسرية، مثل ضعف التواصل الوجهي بين أفراد الأسرة.
- إعادة تشكيل الهوية الثقافية من خلال التفاعل مع ثقافات عالمية مختلفة.
وتشير التقارير إلى أن هذه الآثار ليست حصرية بسلطنة عُمان، بل هي ظواهر عالمية تتطلب حلولاً مبتكرة وفعالة.
الخطوات التالية نحو تنظيم الفضاء الرقمي
من المتوقع أن تقوم الجهات الحكومية العُمانية بتشكيل لجان متخصصة لدراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع وتحليل تأثير منصات التواصل الاجتماعي. كما يُتوقع أن يتم وضع سياسات وآليات عمل واضحة ومحددة لتنظيم الفضاء الرقمي وتعزيز القيم الإيجابية.
من بين المقترحات التي تم طرحها تعزيز المواطنة الرقمية في التعليم، وإنشاء مرصد وطني للسلوك الرقمي، وتفعيل دور المؤثرين الإيجابيين في المجتمع. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب التغلب عليها، مثل ضمان احترام حرية التعبير وحماية الخصوصية.
من المرجح أن تشهد الأشهر القادمة نقاشاً واسعاً حول أفضل الطرق لتنظيم الفضاء الرقمي في سلطنة عُمان، مع الأخذ في الاعتبار التوازن بين حماية القيم الوطنية وتعزيز التنمية والابتكار. وسيكون من المهم مراقبة التطورات في هذا المجال، وتقييم فعالية السياسات والآليات التي سيتم تطبيقها.
