شهدت محافظة حضرموت اليمنية خلال الأسابيع القليلة الماضية تطورات جيوسياسية هامة، أدت إلى تغييرات ملحوظة في المشهد اليمني والإقليمي. تصاعدت التوترات بشكل كبير، مما استدعى تدخلًا مباشرًا من المملكة العربية السعودية، بقيادة شخصية بارزة في الملف اليمني، اللواء الدكتور محمد بن عبيد القحطاني. وتكمن أهمية هذه الأحداث في تأثيرها على الاستقرار الإقليمي، والعلاقات بين دول التحالف، ومستقبل اليمن.
على الصعيد اليمني، يمثل هذا التدخل فرصة للحكومة الشرعية لاستعادة نفوذها وسلطتها، بعد فترة من الضعف والانقسامات. أما إقليمياً، فقد فاقمت هذه التطورات الخلافات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث اتهمت الرياض أبوظبي بدعم فصائل مسلحة وتسعى لزعزعة الاستقرار على حدودها الجنوبية.
دور اللواء القحطاني في مستجدات حضرموت
برز اللواء محمد القحطاني، رئيس الوفد السعودي إلى حضرموت، ومسؤول اللجنة الخاصة المعنية باليمن، كشخصية محورية في محاولة احتواء الأزمة. بدأ تصاعد التوترات في حضرموت مع تحركات “قوات الدعم الأمني” بقيادة صالح الشيخ أبوبكر، والمعروف بـ “أبو علي الحضرمي”، وزيادة الدعم اللوجستي والمعنوي من المجلس الانتقالي الجنوبي.
في ديسمبر 2024، أرسلت المملكة العربية السعودية وفداً برئاسة اللواء القحطاني إلى حضرموت بهدف التهدئة، والحفاظ على وحدة الصف في وجه التحديات. وتهدف هذه الزيارة، التي تعتبر من الزيارات النادرة للقحطاني إلى اليمن، إلى منع انهيار الوضع الأمني والإنساني في المحافظة.
تصعيد التوترات و ردة فعل المملكة
على الرغم من جهود الوفد السعودي، استمر المجلس الانتقالي في التصعيد، بإرسال تعزيزات عسكرية وأسلحة إلى حضرموت، مما أدى إلى اشتباكات متفرقة مع القوات الحكومية. وشدد اللواء القحطاني في لقاءاته مع القيادات المحلية والقبلية على رفض المملكة للتحركات العسكرية، داعياً إلى إخراج أي قوات غير تابعة للحكومة الشرعية من المحافظة. و ألقت السعودية باللوم على تدخلات خارجية في تصعيد الأوضاع، محذرة من عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي.
وبعد فشل الجهود الدبلوماسية، اتخذت المملكة العربية السعودية إجراءات أكثر حزماً، وشنت عمليات عسكرية مباشرة، بدعم من القوات الحكومية والقبلية الموالية لها، بهدف استعادة السيطرة على حضرموت والمهرة. وقد مهدت التحركات الميدانية للقحطاني، ودعمه للقبائل المحلية، الطريق لهذا التدخل العسكري.
أهمية حضرموت والمصالحة
تلعب حضرموت دوراً استراتيجياً هاماً في اليمن، نظراً لموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية، وخصوصاً النفط. إن استقرار حضرموت ضروري لضمان الأمن الإقليمي، وحماية الممرات الملاحية، وتحقيق التنمية الاقتصادية في اليمن. وبالفعل أدت هذه الأحداث إلى رد فعل واسع النطاق، مع تباين وجهات النظر بين مختلف الأطراف اليمنية والإقليمية. فالبعض يرى في التدخل السعودي خطوة ضرورية لحماية وحدة اليمن وسيادته، بينما يعتبره آخرون بمثابة تدخل سافر في الشؤون اليمنية. و قد أدت هذه التطورات إلى تعقيد المشهد السياسي في اليمن، وزيادة الانقسامات بين المكونات المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يشير المحللون إلى أن الأزمة في حضرموت قد تؤدي إلى تصاعد التوترات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة.
يشير مراقبون إلى أن نجاح الجهود السعودية في استعادة الاستقرار إلى حضرموت يعتمد على قدرتها على تحقيق مصالحة حقيقية بين الأطراف المتنازعة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة. وتعد هذه الخطوة ضرورية لتجنب أي تصعيد مستقبلي، وضمان استقرار اليمن على المدى الطويل.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة جهودًا دبلوماسية مكثفة، بوساطة سعودية، لتهدئة الأوضاع، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية والإقليمية. وسيتابع المراقبون عن كثب تطورات الوضع في حضرموت، وتقييم تأثيرها على مستقبل اليمن، والعلاقات بين دول المنطقة. كما من الضروري مراقبة ردة فعل المجلس الانتقالي الجنوبي، وإمكانية عودته إلى طاولة المفاوضات. ويبقى الوضع في حضرموت معلقًا على توازن دقيق بين المصالح المتنافسة، والجهود الدبلوماسية، والتطورات الميدانية.
