كشفت لجنة التحقيق المكلفة بتتبع مصير أطفال المعتقلين والمغيبين قسراً في سوريا، اليوم الثلاثاء، عن نتائج أولية مقلقة تتعلق بمئات الأطفال، مؤكدة رصدها لمحاولات منهجية لطمس هوياتهم الحقيقية. هذا الكشف يثير تساؤلات حول مصير هؤلاء الأطفال ويضع ضغوطاً على الحكومة السورية لتوضيح الأمر وتقديم المساءلة. التحقيق في مصير أطفال المعتقلين يمثل أولوية قصوى في جهود المصالحة الوطنية.
جاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقد في مبنى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق، حيث قدمت رئيسة اللجنة، رغداء زيدان، تفاصيل حول سير العمل حتى الآن. وأكدت زيدان أن اللجنة تعمل بشكل مستقل وشفاف، بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، لضمان حقوق هؤلاء الأطفال وكشف مصيرهم. العملية تتضمن جمع الوثائق، ومقابلة ذوي الضحايا، وتدقيق السجلات.
أطفال المعتقلين: حصيلة أولية وتحديات كبيرة
أفادت زيدان بأنه تم حصر 314 طفلاً ممن أودعوا دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية خلال فترة ماضية. وأضافت أن 150 طفلاً منهم قد تم لم شملهم مع عائلاتهم، بينما يجري العمل على التأكد من مصير 50 طفلاً آخرين. هذه الأرقام، على الرغم من كونها أولية، تشير إلى حجم المعاناة التي تعرضت لها هذه الفئة من الأطفال.
وأشارت زيدان إلى أن اللجنة تواجه صعوبات في عملها، أبرزها عدم وجود سجلات دقيقة وموثوقة للأطفال في دور الرعاية. وقالت إن النظام السابق تعمد إخفاء معلومات حيوية عن هؤلاء الأطفال، مما يعقد عملية البحث والتحري. المفقودون القسريون يمثلون تحدياً إنسانياً وقانونياً كبيراً في سوريا.
مسارات البحث والتحقق
تعتمد اللجنة على عدة مسارات في عملها، بما في ذلك جمع الوثائق من مختلف المصادر، وإعداد استمارات تفصيلية لذوي الضحايا، وتشكيل فريق تطوعي لمراجعة السجلات القديمة. بالإضافة إلى ذلك، تم تفعيل خطوط ساخنة لتلقي بلاغات من الأهالي وتقديم الدعم اللازم لهم. هذه المسارات المتعددة تهدف إلى تغطية أكبر شريحة ممكنة من الأطفال المفقودين.
من جانبه، أكد ممثل وزارة الداخلية في اللجنة، سامر قربي، على الفصل التام بين عمل اللجنة والجهاز القضائي. وأوضح أن دور اللجنة يقتصر على البحث والتحري وجمع المعلومات، بينما يتولى القضاء مهمة التحقيق والمحاكمة. هذا الفصل يضمن حيادية واستقلالية عمل اللجنة.
دعم قانوني وخطوات نحو المساءلة
أضاف قربي أن الوزارة تقدم الدعم القانوني لذوي الأطفال المفقودين، من خلال توكيل محامين وتقديم الاستشارات القانونية اللازمة. ويهدف هذا الدعم إلى تمكين الأهالي من المطالبة بحقوق أطفالهم وكشف مصيرهم. حقوق الطفل هي محور اهتمام اللجنة وجميع الجهات المعنية.
وفيما يتعلق بدور منظمات المجتمع المدني، أفاد المدير الوطني لقرى الأطفال (SOS)، فاتح العباسي، بتشكيل لجنة خاصة لتدقيق الوثائق المتاحة في الأرشيف. وأشار إلى أنهم تمكنوا من حصر 140 حالة تم إيداعها قسراً لدى منظمتهم، وتم تتبع مصير 106 منهم. التعاون بين اللجنة والمنظمات المدنية يعزز من فرص نجاح عملية البحث.
وأشار مدير مجمع “بيوت لحن الحياة”، معتصم السلومي، إلى أنهم واجهوا صعوبات في الحصول على معلومات دقيقة عن الأطفال، حيث تبين أن النظام السابق قد منحهم هويات مزيفة وأسماء مختلفة. هذا التلاعب بالهويات يعقد عملية البحث ويتطلب جهوداً مضاعفة للتحقق من البيانات.
المستقبل والخطوات القادمة
أكدت اللجنة أنها ستواصل عملها بكل جدية وشفافية، بالتعاون مع جميع الجهات المعنية، لضمان كشف مصير جميع الأطفال المفقودين. ومن المتوقع أن تعلن اللجنة عن نتائج جديدة في غضون الأشهر القليلة القادمة. العدالة الانتقالية هي هدف رئيسي من أهداف عمل اللجنة.
يبقى ملف أطفال المعتقلين من القضايا الحساسة والمعقدة في سوريا، ويتطلب معالجة شاملة ومستدامة. وتعتبر محاسبة المتورطين في إخفاء مصير هؤلاء الأطفال خطوة ضرورية نحو تحقيق المصالحة الوطنية وبناء مستقبل أفضل للجميع. الوضع لا يزال يتطلب متابعة دقيقة وتنسيقاً فعالاً بين جميع الأطراف المعنية.
