اختتمت سوريا وإسرائيل، اليوم الثلاثاء، جولة جديدة من المحادثات برعاية أمريكية في باريس، بهدف تحقيق الاستقرار الإقليمي. أسفرت هذه الجولة عن اتفاق لإنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتقليل التوترات العسكرية، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتطبيع العلاقات بين البلدين بعد سنوات من الصراع والجمود. تأتي هذه المحادثات وسط جهود دولية متزايدة لتهدئة الأوضاع في المنطقة.
وقال بيان صادر عن الخارجية الأمريكية، إن المسؤولين من كلا الطرفين أكدوا التزامهم بالعمل نحو ترتيبات دائمة تضمن أمن واستقرار سوريا وإسرائيل. وأشار البيان إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعبت دورًا محوريًا في تسهيل هذه المناقشات المثمرة، مع التركيز على احترام سيادة سوريا وضمان أمن إسرائيل. كما تم التأكيد على أهمية التعاون المستقبلي.
آفاق الاستقرار الإقليمي وتحديات التنفيذ
تمثل هذه المحادثات تطوراً هاماً في سياق الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل النزاعات في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، لا يزال الطريق أمام تحقيق الاستقرار الإقليمي طويلاً ومليئاً بالتحديات. وفقًا لمحللين سياسيين، فإن نجاح هذه المبادرة يعتمد بشكل كبير على قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات العميقة الجذور وبناء الثقة المتبادلة.
وكشفت مصادر عن إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تعمل كخلية اتصال لتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري وتقليل فرص التصعيد العسكري غير المقصود. وتشمل هذه الآلية أيضًا جوانب دبلوماسية وتجارية، تخضع للإشراف الأمريكي. يهدف هذا الإطار إلى توفير منصة لمعالجة أي خلافات قد تنشأ بين سوريا وإسرائيل بسرعة وفعالية.
تباين المواقف حول الانسحاب الإسرائيلي
في المقابل، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول سوري قوله إن أي تقدم في المحادثات يتوقف على تحديد جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي احتلتها بعد فترة الاضطرابات التي أعقبت عام 2024. وشدد المسؤول على أن هذا الشرط أساسي للدخول في مناقشات حول قضايا استراتيجية أعمق. اقتصرت الجولة الحالية على بناء الثقة بشكل أساسي.
وأكد المسؤول السوري أن المبادرة الأمريكية التي تدعو إلى وقف فوري للأنشطة العسكرية الإسرائيلية في سوريا تمثل “فرصة تاريخية” لتعزيز المفاوضات. ويأمل الجانب السوري في استغلال هذه اللحظة لتحقيق تقدم ملموس نحو استعادة سيادته الكاملة على أراضيه.
التأكيدات الإسرائيلية على الأمن الإقليمي
من جانبها، صرحت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بيدروسيان أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكد على اهتمام إسرائيل بإقامة حدود آمنة وسلمية مع سوريا. وأضافت بيدروسيان أن نتنياهو شدد على ضرورة حماية “أشقائنا الدروز” والأقليات الأخرى في سوريا. لكن بيدروسيان لم تكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بموقف إسرائيل من الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها.
وأشارت تقارير إعلامية إسرائيلية، مثل تلك التي نشرتها القناة 12، إلى أن الجولة الخامسة من المفاوضات ركزت بشكل أساسي على التوصل إلى اتفاق أمني. ونقلت القناة عن مسؤول إسرائيلي لم يتم الكشف عن اسمه أن المحادثات كانت “إيجابية” وأن الطرفين أبديا استعدادًا للتعاون في مجالات أمنية مشتركة.
بالإضافة إلى ذلك، أكدت مصادر أن الجيش الإسرائيلي واصل توغلاته في الأراضي السورية، خاصة في ريف القنيطرة، مع استمرار عمليات الاعتقال وتفتيش المارة. وقد أدت هذه التوغلات إلى توترات متزايدة في المنطقة، وأثارت انتقادات من الجانب السوري.
مستقبل المفاوضات والخطوات التالية
من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في لعب دور الوسيط الرئيسي في المفاوضات السورية الإسرائيلية. تشير التقديرات إلى أن الجولة القادمة من المحادثات قد تركز على مناقشة تفاصيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وتحديد آليات لتفعيلها بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024، وهو مطلب رئيسي من الجانب السوري. يبقى السؤال حول مدى استعداد إسرائيل للموافقة على هذا المطلب.
تعتبر هذه المحادثات بمثابة اختبار حقيقي للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي. في الأسابيع والأشهر القادمة، سيكون من المهم مراقبة مدى التزام الطرفين بتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها، وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع أي عقبات قد تعترض طريق المفاوضات. الوضع لا يزال هشا.
