يجري إعداد جولة جديدة من المحادثات بين إسرائيل وسوريا بوساطة أمريكية، وذلك بعد فترة من الركود في العلاقات الثنائية. وتهدف هذه المفاوضات السرية، والتي كشفت عنها صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، إلى تحقيق استقرار على الحدود بين البلدين ومعالجة المخاوف الأمنية المتبادلة. وتأتي هذه الخطوة في ظل التوترات الإقليمية المستمرة وتباين المواقف بشأن التطورات في المنطقة، بما في ذلك الوضع في قطاع غزة.
أكدت مصادر إعلامية أن اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتجع “مار-أ-لاغو” مؤخرًا، كان بمثابة نقطة انطلاق لتجديد هذه المحادثات. وذكرت “يديعوت أحرونوت” أن الصحفي باراك رافيد كان أول من أعلن عن استئناف المفاوضات، وهو ما يثير تساؤلات حول دوافع إطلاق هذه المعلومات في هذا التوقيت.
تفاصيل الوفود والمفاوضات المتوقعة
من المقرر أن يمثل إسرائيل في هذه المحادثات فريق رفيع المستوى يتألف من السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، والمرشح لرئاسة جهاز “الموساد” رومان غوفمان، بالإضافة إلى السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل رايخ. هذا التشكيل يعكس أهمية الجانب الأمني للمفاوضات بالنسبة لإسرائيل.
وبحسب التقارير، أسند رئيس الوزراء نتنياهو مهام إدارة المحادثات إلى هؤلاء المسؤولين الثلاثة، مع تحديد مسؤوليات واضحة لكل منهم. سيتولى غوفمان الملف الأمني، بينما سيكون ليتر مسؤولاً عن التواصل مع الجانب الأمريكي، ورايخ سيتعامل مع الجوانب الدبلوماسية والتنسيقية. بشكل ملحوظ، لن يكون هناك رئيس وفد إسرائيلي رسمي، مما قد يشير إلى رغبة في إجراء مناقشات أكثر مرونة.
في المقابل، سيمثل الجانب السوري في هذه المحادثات وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني. أما فيما يتعلق بالوساطة، فسيتولى هذه المهمة المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، الذي يتمتع بخبرة في التعامل مع الملفات المعقدة في الشرق الأوسط. وتعتبر مشاركة باراك عنصرًا حاسمًا في إمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات.
أهداف إسرائيل المعلنة والمخاوف السورية
صرح نتنياهو عقب لقائه مع ترامب برغبته في التوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا يضمن الحفاظ على الحدود بين البلدين ويحمي مصالح الأقليات، وخاصة الدروز والمسيحيين في سوريا. يشير هذا إلى أن إسرائيل تسعى إلى إزالة مصادر التوتر المحتملة على الحدود وتقويض النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة.
في المقابل، أعرب مسؤولون سوريون مرارًا وتكرارًا عن استيائهم من الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، والتي يعتبرونها انتهاكًا لسيادتها. ففي تصريحات له خلال مشاركته في “منتدى الدوحة” في بداية ديسمبر، اتهم أحمد الشرع، القيادي السوري، إسرائيل بمحاولة تصدير أزماتها إلى دول أخرى، مؤكدًا أن سوريا تسعى إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، ولكنها تواجه “عنفًا شديدًا” من قبل إسرائيل. وأشار إلى أن سوريا تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024 والالتزام باتفاق عام 1974.
ويرى بعض المحللين أن سوريا قد تستغل هذه المفاوضات لكسب تنازلات من إسرائيل، مثل رفع القيود المفروضة على إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، أو الحصول على ضمانات بشأن دعمها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
تداعيات محتملة للمفاوضات على المنطقة
تأتي هذه المحادثات في وقت حرج بالنسبة للمنطقة، حيث تشهد المنطقة العربية صراعات وتحديات متعددة، بما في ذلك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأزمة السورية، والتنافس الإيراني الأمريكي. نجاح هذه المفاوضات، في حال تحقيقه، قد يسهم في تخفيف التوترات على الجبهة السورية الإسرائيلية، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب.
العلاقات السورية الإسرائيلية ظلت متوترة لعقود، على الرغم من بعض المحاولات المتقطعة لإجراء حوار. لا تزال سوريا تعتبر الجولان المحتل أرضًا سورية، وترفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها. ومع ذلك، فإن التغيرات الإقليمية والدولية قد تدفع الطرفين إلى إعادة النظر في مواقفهما، والبحث عن حلول عملية تضمن مصالحهما المشتركة.
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤثر هذه المفاوضات على ديناميكيات القوى في المنطقة، وعلى التحالفات الاستراتيجية. فقد تسعى سوريا إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، في مقابل الحصول على دعم أمريكي لمواجهة التحديات التي تواجهها. في المقابل، قد تعبر إسرائيل عن قلقها من أي تقارب سوري أمريكي، وتطالب بضمانات بشأن الحفاظ على أمنها القومي.
من المتوقع أن تستمر المحادثات لعدة أسابيع أو أشهر، وقد تشمل جولات متعددة بين الوفدين الإسرائيلي والسوري، بالإضافة إلى لقاءات ثنائية بين المسؤولين الأمريكيين وأطراف أخرى معنية. وسيكون من المهم متابعة تطورات هذه المفاوضات، وتحليل الرسائل التي يطلقها الطرفان، وتقييم فرص نجاحها أو فشلها. لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت هذه المحادثات ستؤدي إلى اتفاق حقيقي، ولكنها تمثل بالتأكيد خطوة مهمة في جهود تحقيق الاستقرار في المنطقة.
