تشهد دول الخليج تحولاً اقتصادياً كبيراً، حيث تتجه نحو تبني الخوارزميات والذكاء الاصطناعي كمحركات رئيسية للنمو والتنويع بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط. هذا التحول ليس مجرد تحديث تكنولوجي، بل هو إعادة تعريف لمصادر القوة والنفوذ في المنطقة، مع استثمارات ضخمة تتجاوز 23 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، وفقاً لتقارير حديثة. يهدف هذا التوجه إلى امتلاك القدرة الحوسبية والسيادة الرقمية، مما يضع دول الخليج في موقع استراتيجي في الاقتصاد العالمي الجديد.
وتسعى هذه الدول إلى أن تصبح مراكز إقليمية وعالمية للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال بناء بنية تحتية رقمية متطورة، وجذب الشركات التكنولوجية الكبرى، وتطوير الكفاءات المحلية في هذا المجال. وتشمل هذه الجهود إنشاء مراكز بيانات ضخمة، وتطوير شبكات الجيل الخامس والسادس، والاستثمار في البحث والتطوير.
الاستثمار في الخوارزميات: تحول استراتيجي لدول الخليج
أصبح الاستثمار في الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ضرورة استراتيجية لدول الخليج، ليس فقط لتحقيق النمو الاقتصادي، ولكن أيضاً لتعزيز الأمن القومي والمكانة الدولية. فالقدرة على معالجة البيانات وتحليلها، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تمنح هذه الدول ميزة تنافسية في مختلف المجالات، بما في ذلك الطاقة، والصحة، والتعليم، والنقل.
وتبرز السعودية والإمارات وقطر كدول رائدة في هذا المجال، حيث أعلنت عن خطط طموحة لتوسيع قدراتها الرقمية. فقد أعلنت السعودية عن استهداف قدرة رقمية تصل إلى 3.3 غيغاواط بحلول عام 2030، بينما استثمرت الإمارات 1.5 مليار دولار، وخصصت 5.3 مليارات دولار لإطلاق منطقة سحابية متكاملة بحلول عام 2026. كما تعمل هذه الدول على إنشاء مراكز للتميز في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وجذب المواهب العالمية.
بناء البنية التحتية الرقمية
يتطلب التحول نحو اقتصاد قائم على الخوارزميات بناء بنية تحتية رقمية متينة، تشمل مراكز البيانات، وشبكات الاتصالات، وموارد الطاقة. وتدرك دول الخليج أهمية هذا الأمر، وتسعى إلى الاستثمار في هذه المجالات بشكل كبير. وتشمل هذه الجهود أيضاً تطوير اللوائح والقوانين التي تحكم استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، وضمان حماية الخصوصية والأمن السيبراني.
وتعتبر استضافة البيانات محلياً وإدارة البنية التحتية من داخل المنطقة من الشروط الأساسية لجذب الاستثمارات الحكومية الاستراتيجية. وهذا يعزز جاذبية الشركات التقنية الكبرى للاستثمار في الخليج، ويساهم في بناء اقتصاد رقمي مستدام. كما أن الامتثال للتشريعات المحلية والإقامة داخل المنطقة أصبحا شرطين حاسمين للفوز بالعقود الحكومية.
الذكاء الاصطناعي والنفط الرقمي
لم يعد النفط هو المورد الوحيد للقوة الاقتصادية، بل أصبحت القدرة الحسابية والبنية الحوسبية تمثل مورداً استراتيجياً جديداً في العصر الرقمي. ويشير الخبراء إلى أن المعالجات الحوسبية أصبحت بمثابة “النفط الجديد”، حيث إن السيطرة على إنتاجها أو توريدها تمنح نفوذاً اقتصادياً كبيراً في المستقبل. وهذا يفسر توجه دول الخليج إلى الاستثمار في مشاريع حوسبة عملاقة تعتمد على الطاقة النظيفة لدعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
وتواجه دول الخليج تحدياً يتمثل في نقص الكفاءات المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي. ولذلك، تسعى هذه الدول إلى إطلاق برامج تدريبية وجامعية متخصصة، وجذب المواهب العالمية، لتعزيز قدراتها في هذا المجال. كما تعمل على دعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتوفير التمويل اللازم لتطوير مشاريعها.
وتشهد الكويت نمواً ملحوظاً في سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث بلغت قيمته 22.48 مليار دولار في عام 2023، مع توقعات بالوصول إلى 39.83 مليار دولار خلال خمس سنوات. وتستهدف الكويت رقمنة أكثر من 90% من الخدمات الحكومية خلال السنوات الخمس المقبلة، وإنشاء مركز بيانات وطني. وفي سلطنة عُمان، أظهرت مؤشرات الاقتصاد الرقمي تحسناً كبيراً في عام 2025، مع زيادة في الابتكار الرقمي والشمول الرقمي والتمويل الرقمي.
من المتوقع أن يستمر الاستثمار في الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في النمو في دول الخليج خلال السنوات القادمة، مدفوعاً بالرؤى الطموحة لهذه الدول، والفرص المتاحة في هذا المجال. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل نقص الكفاءات، وارتفاع تكاليف البنية التحتية، والحاجة إلى تطوير اللوائح والقوانين. يتوقع مراقبون أن التركيز القادم سيكون على تطوير شراكات مع الشركات التكنولوجية العالمية، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجال الذكاء الاصطناعي، والعمل على بناء منظومة بيئية مبتكرة تدعم نمو هذا القطاع الحيوي.
