رحل عن عالمنا الإعلامي الأردني القدير أحمد عازر، عن عمر يناهز 87 عامًا. اشتهر عازر بمسيرته المهنية الطويلة في مجال الإعلام، والتي بدأت في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) واستمرت في قناة الجزيرة، حيث ترك بصمة واضحة في تطوير العمل الإعلامي العربي. ويعتبر أحمد عازر من الرواد الذين ساهموا في إرساء معايير الجودة والدقة في الصحافة والإعلام.
وفاة عازر، التي حدثت يوم الأربعاء الموافق 1 مايو 2024، أثارت موجة من الحزن والتأثر في الأوساط الإعلامية العربية. وقد عُرف عازر بكونه صائغ شعار الجزيرة الشهير “الرأي والرأي الآخر”، مما يعكس التزامه بتقديم الإعلام الموضوعي والمتوازن. سيُذكر مساهماته الكبيرة في إثراء المحتوى الإعلامي السياسي والفكرى.
أحمد عازر: مسيرة حافلة في عالم الصحافة
ولد أحمد عازر في بلدة الحصن بمحافظة إربد شمال الأردن عام 1937. بدأ حياته المهنية في منتصف الستينيات مع هيئة الإذاعة البريطانية، حيث عمل بتفانٍ وتدرج في المناصب المختلفة ليصبح مخرجًا رئيسيًا للأخبار ثم مساعدًا لرئيس قسم الأخبار، وصولًا إلى رئاسة القسم ذاته. وقد اكتسب خلال فترة عمله في BBC خبرة واسعة في مجال الإنتاج الإخباري والبرامج السياسية.
خلال فترة عمله الطويلة في “بي بي سي”، أشرف عازر على إنتاج العديد من البرامج المرموقة. من بين هذه البرامج “الشؤون العربية في الصحف الأجنبية” و”السياسة بين السائل والمجيب”، اللتان حققتا نجاحًا كبيرًا وأثرتا في الرأي العام العربي. وقد ساهمت هذه البرامج في تعزيز مكانته كإعلامي متمكن ومؤثر.
في عام 1996، شكل انضمام أحمد عازر إلى قناة الجزيرة نقطة تحول مهمة في مسيرته المهنية، وكذلك في مسيرة القناة نفسها. فقد جاء ليكون جزءًا أساسيًا من الفريق المؤسس، وحمل معه خبرة كبيرة ومعرفة عميقة بالمشهد الإعلامي. كانت الجزيرة تبحث عن كوادر قوية لتأسيس هويتها الإعلامية، ووجدوا في عازر الشخص المناسب.
دور عازر في بناء هوية الجزيرة
بالإضافة إلى صياغة شعار القناة “الرأي والرأي الآخر”، شغل عازر مناصب متعددة داخل الجزيرة، بما في ذلك مذيع أخبار، ومدقق لغوي، وعضو في الهيئة التحريرية. كما قدم البرنامج الأسبوعي الشهير “الملف الأسبوعي”، والذي كان يتميز بتحليلاته العميقة وقدرته على طرح القضايا الشائكة بأسلوب موضوعي.
تميز أسلوب عازر بالرصانة والاحترافية، والالتزام بأخلاقيات المهنة. كان يولي اهتمامًا كبيرًا لدقة اللغة ووضوح الأداء، مما جعله قدوة للعديد من الإعلاميين الشباب. وقد ساهم في تطوير مهاراتهم ومنحهم الثقة بالنفس.
لم يقتصر تأثير عازر على قناة الجزيرة فحسب، بل امتد ليشمل الأوساط الإعلامية العربية بشكل عام. فقد كان يعتبر مرجعًا هامًا في مجال الإعلام السياسي، وكان يحرص دائمًا على تقديم النصائح والتوجيهات للزملاء الأصغر سنًا. وقد ترك إرثًا غنيًا من الخبرات والمعارف التي يستفيد منها الإعلاميون حتى اليوم.
وصفته شبكة الجزيرة بأنه “إعلامي وإنسان ومعلم وأيقونة”، مؤكدةً أن مسيرته كانت “عابرة للحدود” وأنه “ترك بصمة في قلوب وعقول الملايين”. هذا الوصف يعكس مدى التقدير والاحترام الذي حظي به عازر من قبل زملائه ورؤسائه وجمهوره.
تأثير أحمد عازر على الصحافة العربية
يمكن القول إن أحمد عازر كان من بين الذين ساهموا في تغيير وجه الصحافة العربية، من خلال تبنيه منهجًا جديدًا يعتمد على الموضوعية والحيادية والتحليل العميق. لقد أثبت أن الإعلام يمكن أن يكون قوة دافعة للتغيير الإيجابي، وأن يلعب دورًا هامًا في بناء مجتمعات أكثر وعيًا واستنارة.
أحدثت الجزيرة، بدعم من شخصيات مثل عازر، نقلة نوعية في الإعلام العربي، من خلال تقديم برامج إخبارية وسياسية متنوعة، وتحليل الأحداث من منظورات مختلفة. وقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز حرية التعبير، وتوسيع آفاق النقاش العام.
لم يكن عازر مجرد إعلامي، بل كان أيضًا مفكرًا وباحثًا. كان يحرص على متابعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الصعيدين العربي والدولي، وكان يقدم تحليلاته الخاصة حول هذه التطورات. وقد ساهمت هذه التحليلات في زيادة فهم الجمهور للقضايا المطروحة.
من الجدير بالذكر أن رحيل أحمد عازر يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة العربية تغيرات كبيرة وتحديات معقدة. وعلى الرغم من فقدان هذه القامة الإعلامية، إلا أن إرثه سيظل حيًا، وسيلهم الأجيال القادمة من الإعلاميين والصحفيين.
من المتوقع أن تنظم الجزيرة وشبكات إعلامية أخرى فعاليات لتأبين المرحوم أحمد عازر، وتسليط الضوء على مسيرته المهنية وإسهاماته الكبيرة في مجال الإعلام. كما من المرجح أن تخصص وسائل الإعلام المختلفة برامج ومقالات لتكريمه والاحتفاء بذاكرته. سيستمر تأثيره في تطوير المشهد الإعلامي العربي في السنوات القادمة، على الرغم من صعوبة تعويض فراقه.