أصبحت الطائرات المسيّرة عنصراً أساسياً في النزاعات الحديثة، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في طبيعة الحرب. تستثمر دول الخليج بشكل متزايد في أنظمة الدفاع المضادة للطائرات المسيّرة، وذلك استجابةً للتهديدات المتزايدة التي تشكلها هذه التقنية، والتي أظهرت فعاليتها في مناطق صراع متعددة. شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في قدرات الطائرات المسيّرة، سواء من حيث الاستطلاع أو الهجوم، مما دفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.
تعزيز القدرات الدفاعية ضد الطائرات المسيّرة في دول الخليج
أظهرت الصراعات في سوريا وغزة وأوكرانيا وليبيا وقره باغ الدور المحوري للطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية. لم تعد هذه الطائرات مجرد أدوات للاستطلاع، بل أصبحت قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وهجمات واسعة النطاق، مما يجعلها سلاحاً فعالاً في الحروب غير المتكافئة ويقلل من فعالية أنظمة الدفاع الجوي التقليدية. وقد تعرضت السعودية بشكل خاص لهجمات مباشرة باستخدام الطائرات المسيّرة، مما ألحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية الحيوية.
الإمارات العربية المتحدة: ريادة في توطين التكنولوجيا
تتبنى الإمارات العربية المتحدة نهجاً طموحاً في تطوير قدراتها الدفاعية ضد الطائرات المسيّرة، يركز على التطوير المحلي وتوطين التكنولوجيا، بالإضافة إلى التعاون الدولي. في 3 ديسمبر 2025، كشفت مجموعة “كالدس القابضة” عن منظومة “داميتا”، وهي أول نظام إماراتي متكامل لمكافحة الطائرات المسيّرة يعتمد بشكل كامل على الذكاء الاصطناعي، بدءاً من مرحلة الكشف وحتى الاعتراض. تعمل المنظومة من خلال دمج الرادارات عالية الدقة، ومستشعرات “EO/IR”، والمسح اللاسلكي، وخوارزميات متطورة قادرة على التمييز بين الطائرات والطيور.
وتشمل وسائل تحييد الطائرات المسيّرة التشويش، والليزر عالي الطاقة، والاعتراضات الهوائية. وتقدر قدرة المنظومة التشغيلية باعتراض 20 طائرة مسيّرة في الدقيقة، مما يجعلها من بين الأنظمة الأكثر كفاءة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الإمارات في نوفمبر 2025 عن مشروع لتوطين إنتاج نظام “كايوتي” المضاد للمسيّرات، بالشراكة بين مجلس التوازن وشركة “ريثيون الإمارات”.
قطر: استثمار استباقي في أنظمة متطورة
تعتبر قطر من أوائل دول الخليج التي أدركت أهمية امتلاك أنظمة اعتراض للطائرات المسيّرة. في ديسمبر 2022، وافقت الولايات المتحدة على صفقة دفاعية بقيمة مليار دولار لتزويد الدوحة بـ10 أنظمة متكاملة من طراز “FS-LIDS”، المصممة خصيصاً لهزيمة المسيّرات الصغيرة والبطيئة والمنخفضة الارتفاع. يُعد نظام “FS-LIDS” شبكة دفاعية معقدة تدمج الرادارات، والكاميرات الكهروبصرية والحرارية، ومعدات الحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة، بالإضافة إلى 200 طائرة اعتراضية من طراز “Coyote Block 2”.
تتميز هذه المنظومة بقدرتها على التعامل مع المسيّرات الفردية أو العاملة ضمن أسراب، من خلال خيارات تحييد مرنة، تشمل التشويش الإلكتروني أو الاعتراض الحركي. وبهذا الاستحواذ، أصبحت قطر أول عميل دولي لنظام “FS-LIDS”، مما يعكس توجهاً استباقياً لتعزيز أمنها الجوي.
المملكة العربية السعودية: بناء طبقات دفاعية متعددة
تعتبر المملكة العربية السعودية من أكبر المستثمرين في المجال الدفاعي في المنطقة، وقد تعرضت لهجمات خطيرة بالطائرات المسيّرة، خاصة خلال حرب اليمن. وقد دفعت هذه الهجمات الرياض إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة هذا التهديد، من خلال صفقات وشراكات متعددة المصادر، بالإضافة إلى الإنتاج الذاتي. في 11 سبتمبر 2023، وقعت السعودية اتفاقية مع شركة “أسر تكنولوجيا” التركية لشراء منظومة درع الأمن الجوي “غوست” المضادة للطائرات بدون طيار.
تتميز منظومة “غوست” بقدرتها على الكشف المبكر عن المسيّرات من مسافات بعيدة، وتشويش الترددات الرقمية، وتحييد الطائرات غير المرئية للرادارات التقليدية. كما تعمل السعودية على تطوير قدراتها في مجال الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي لتعزيز فعاليتها في التصدي للطائرات المسيّرة.
الجهود الإقليمية الأخرى
بينما تستثمر البحرين والكويت في تعزيز قدراتهما الدفاعية من خلال الشراكات الإقليمية والدولية، تركز عُمان على بناء منظومة مراقبة واستخبارات جوية ورادارات متطورة. تعتبر هذه الجهود جزءاً من استراتيجية شاملة لتعزيز الأمن الإقليمي ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تشكلها الطائرات المسيّرة.
بشكل عام، تشهد دول الخليج سباقاً تسلحياً في مجال الدفاعات المضادة للطائرات المسيّرة، مع التركيز على الاستثمار في التقنيات المتقدمة وتوطين الإنتاج. من المتوقع أن تستمر هذه الجهود في السنوات القادمة، مع ظهور تهديدات جديدة وتطور قدرات الطائرات المسيّرة. وستشمل الخطوات المستقبلية المحتملة المزيد من التعاون الإقليمي والدولي، وتطوير أنظمة دفاعية أكثر تطوراً، والتركيز على التدريب والتأهيل للقوات المسلحة. يبقى التحدي الأكبر هو مواكبة التطور السريع في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، وضمان القدرة على التصدي لجميع أنواع التهديدات التي قد تشكلها.
