تكتسب الشراكات الصناعية بين الدول العربية أهمية متزايدة في ظل التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة، وتسعى كل من سلطنة عُمان وجمهورية مصر العربية إلى تعزيز هذا التعاون. وفي هذا الإطار، يبرز ميناء صحار كعنصر أساسي في تحقيق التكامل الصناعي بين البلدين، وذلك لقدراته اللوجستية المتقدمة وموقعه الاستراتيجي الذي يربط بين الأسواق الإقليمية والعالمية.
تأتي هذه الجهود في أعقاب زيارة رسمية لنائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل المصري، كامل الوزير، إلى مسقط للمشاركة في منتدى الأعمال المصري – العُماني، والتي تضمنت جولة تفقدية لميناء صحار والمنطقة الحرة المرتبطة به.
أهمية ميناء صحار في التكامل الصناعي العُماني – المصري
يعتبر ميناء صحار، الواقع في محافظة شمال الباطنة، بوابة رئيسية للتجارة الخارجية العُمانية، حيث يمر عبره أكثر من 80% من إجمالي الصادرات والواردات. ويتميز الميناء ببنيته التحتية المتطورة وقدرته على استقبال مختلف أنواع السفن، مما يجعله نقطة انطلاق مثالية للشراكات الصناعية بين عُمان ومصر. تكمن القيمة المضافة في ربط الإنتاج الصناعي المتنوع في عُمان بالخدمات اللوجستية المتخصصة التي يقدمها الميناء، مما يقلل من تكاليف الاستيراد ويدعم التصنيع المشترك.
زيارة الوزير المصري ومناقشة الفرص الاستثمارية
أفادت صحيفة “الأهرام” المصرية في 23 ديسمبر 2025، بأن الوزير كامل الوزير قام بزيارة ميدانية برفقة وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُماني، قيس بن محمد اليوسف، إلى ميناء صحار والمنطقة الحرة. تهدف الزيارة إلى تقييم القدرات التصنيعية واللوجستية المتاحة، واستكشاف فرص التعاون في قطاعات مختلفة مثل الصناعات الدوائية والبتروكيماوية والمعدنية والبلاستيكية، بالإضافة إلى الطاقة النظيفة.
خلال الجولة، استعرض الجانب العُماني ملامح منطقة صحار الحرة، والتي تضم مجموعة واسعة من الصناعات المتقدمة، بالإضافة إلى حوافز وتسهيلات للمستثمرين. وأكد الوزير المصري أن المنطقة تمثل منصة عملية لتعزيز التكامل الصناعي، خاصة في القطاعات المذكورة، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من الفائض العُماني من مواد مثل البولي بروبلين والنحاس لتلبية احتياجات السوق المصرية.
التعاون في قطاعات محددة
تتركز الجهود الحالية على تطوير التعاون في عدة قطاعات رئيسية. تشمل هذه القطاعات الصناعات الدوائية، حيث يمكن للشركات المصرية الاستفادة من المواد الخام المتوفرة في عُمان لإنتاج أدوية بأسعار تنافسية. كما تشمل الصناعات البتروكيماوية، التي يمكن أن تشهد إنشاء مشروعات مشتركة لإنتاج مواد بلاستيكية ومواد كيميائية أخرى. بالإضافة إلى ذلك، هناك اهتمام بتطوير التعاون في الصناعات المعدنية، حيث يمكن لعُمان توفير النحاس والألومنيوم لمصانع مصرية، وفي الصناعات البلاستيكية، حيث تم توقيع مذكرات تفاهم بين شركات من البلدين في أغسطس 2025.
وتشير البيانات إلى أن المنظومة المتكاملة لميناء صحار والمنطقة الحرة قد جذبت استثمارات تتجاوز 30 مليار دولار، وتضم حوالي 1900 شركة، مما يعكس حجم الكتلة الصناعية واللوجستية القابلة للتكامل مع الأسواق الخارجية.
دور جهاز الاستثمار العُماني والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية
عقد رئيس جهاز الاستثمار العُماني، عبد السلام بن محمد المرشدي، لقاءً مع الوفد المصري لبحث فرص العمل المشترك والإمكانات الاستثمارية. كما استعرضت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة فرص التعاون في المناطق الاقتصادية والحرة والمدن الصناعية في كلا البلدين، مع التركيز على الاستفادة من سلاسل الإنتاج والمواد الخام المتاحة وتسهيل حركة المنتجات بين هذه المناطق.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن هذا التكامل يحمل بعداً استراتيجياً هاماً، ولكنه ما يزال في مراحله الأولى ويتطلب خطوات عملية ملموسة للانتقال من مستوى الاتفاقيات إلى التنفيذ الفعلي. ويعتبر التكامل الاقتصادي خطوة مهمة نحو تعزيز الوحدة الاقتصادية العربية وتنمية الإمكانات المشتركة.
تحديات تواجه التكامل الصناعي
بالرغم من الإمكانات الواعدة، يواجه مسار التكامل الصناعي بين عُمان ومصر بعض التحديات. تشمل هذه التحديات الاختلافات في القوانين والتشريعات الصناعية والاستثمارية، بالإضافة إلى تحديات التمويل التي تتطلب توفير مصادر تمويل مستدامة للمشروعات المشتركة. كما تشير التقارير إلى أهمية معالجة التحديات اللوجستية وتطوير البنية التحتية لضمان حركة البضائع بكفاءة وفعالية.
من المهم أيضاً مراعاة ديناميكيات السوق والقدرة التنافسية للمنتجات. يجب أن تتسم المشروعات المشتركة بالجودة العالية والأسعار التنافسية، وأن تستهدف أسواقاً ذات طلب مرتفع.
سيشهد الأشهر القادمة تشكيل لجان فنية مشتركة لدراسة جدوى المشروعات المقترحة ووضع خطط تنفيذية مفصلة. ومن المتوقع أيضاً إطلاق مبادرات لتبادل الخبرات والمعرفة بين الشركات العُمانية والمصرية. يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الخطط والمبادرات إلى واقع ملموس، وهو ما يتطلب التزاماً قوياً من قبل الحكومات والقطاع الخاص في كلا البلدين.
