في قلب القاهرة القديمة، وبالتحديد في منطقة الخيامية، يواجه دكان “زقاق الرضوان” للجلود الطبيعية تحديات كبيرة في الحفاظ على حرفة عريقة تعود إلى أكثر من قرن. هذا الدكان، الذي يعتبر من أقدم محلات الجلود في مصر، يمثل جزءًا أصيلًا من التراث المصري، ولكنه يصارع من أجل البقاء في ظل المنافسة الشديدة من المنتجات المستوردة وتغير الأذواق. تعتبر صناعة الجلود الطبيعية جزءًا هامًا من الحرف اليدوية المصرية، ولكنها تواجه خطر الانقراض.
يقع الدكان في أزقة ضيقة تعبق بالتاريخ، حيث تتوارى خلفه حكايات أجيال من الحرفيين الذين أتقنوا فن صناعة الجلود. الحاج توفيق وشقيقه صلاح، آخر من تبقى من هذه العائلة في هذا المجال، يحاولان جاهدين الحفاظ على هذا الإرث، ولكن الظروف الاقتصادية والتحديات التي تواجه الحرف اليدوية تجعل مهمتهما أكثر صعوبة.
ميراث الجلود الطبيعية في مواجهة التحديات
بدأت قصة دكان “زقاق الرضوان” في عام 1885، عندما أسسه الجد الأكبر عبد الفتاح، الذي كان يشتهر بصناعة الشباشب الجلدية التقليدية. تطور العمل على مر السنين، ليشمل صناعة الحقائب والأحذية والأحزمة والمحافظ الجلدية، مع الحفاظ على الجودة العالية والأساليب التقليدية في الصناعة.
ومع ذلك، يشير الأسطى توفيق إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في الطلب على المنتجات الجلدية الطبيعية، حيث يفضل الكثير من المستهلكين المنتجات المستوردة الرخيصة أو المصنوعة من مواد صناعية. هذا التحول في الأذواق أثر بشكل كبير على مبيعات الدكان، مما جعله يكافح من أجل تغطية نفقاته.
تاريخ الدكان وتطور الصناعة
يروي الحاج توفيق أن والده كان من أوائل الذين أدخلوا تقنيات جديدة في صناعة الجلود، مثل استخدام آلات الخياطة الحديثة وتطوير تصميمات أكثر عصرية. لكنه يؤكد أنهم ظلوا محافظين على استخدام الجلود الطبيعية عالية الجودة، وعلى الأساليب التقليدية في الدباغة والصباغة.
في منتصف التسعينيات، شهد الدكان نقطة تحول مهمة، عندما تلقى طلبًا غير متوقع من رجل أعمال إيطالي لتصنيع 300 حقيبة بتصميم سريالي مستوحى من العصور البدائية. هذا الطلب أعاد الأمل إلى الحرفيين في الدكان، وأثبت أن هناك سوقًا للمنتجات الجلدية الطبيعية الفريدة والمبتكرة.
المشاركة في المعارض والتسويق
على الرغم من النجاح الذي حققه الدكان في تنفيذ الطلبات الخاصة، إلا أن الأسطى توفيق يعرب عن خيبة أمله من عدم وجود دعم حقيقي من الدولة للحرف التراثية. ويقول إنه لا يشارك في المعارض الرسمية التي تنظمها الحكومة، لأن كلفة المشاركة فيها تتجاوز العائد المتوقع.
ويضيف أن الدولة كان يمكنها أن تفعل المزيد لتنشيط السياحة في منطقة الخيامية، من خلال تنظيم رحلات للزوار إلى ورش الحرفيين، وتشجيعهم على شراء المنتجات الجلدية الطبيعية مباشرة من المصدر. هذا من شأنه أن يوفر دخلًا إضافيًا للحرفيين، ويساعد على الحفاظ على هذه الصناعة العريقة.
مستقبل صناعة الجلود الطبيعية
يخشى الأسطى توفيق من أن يأتي اليوم الذي يضطر فيه إلى إغلاق الدكان، بعدما يبتعد الأبناء عن صنعة الآباء والأجداد. ويقول إنه لم يعد هناك الكثير من الشباب الذين يرغبون في تعلم هذه الحرفة، وأن معظمهم يفضلون البحث عن وظائف ذات رواتب ثابتة.
ومع ذلك، لا يزال هناك بصيص من الأمل في مستقبل صناعة الجلود الطبيعية. فقد بدأت بعض الشركات والمبادرات الصغيرة في الترويج للمنتجات الجلدية الطبيعية، وتشجيع المستهلكين على دعم الحرف اليدوية المصرية. بالإضافة إلى ذلك، هناك اهتمام متزايد بالمنتجات الصديقة للبيئة والمستدامة، مما قد يزيد الطلب على الجلود الطبيعية.
من المتوقع أن يناقش مجلس الحرف اليدوية في اجتماعه القادم في يناير 2026، خططًا لدعم الحرفيين في منطقة الخيامية، بما في ذلك توفير التدريب والتأهيل، وتقديم التمويل اللازم لتطوير ورشهم. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الخطط ستنجح في إنقاذ صناعة الجلود الطبيعية من الانقراض، وما إذا كان دكان “زقاق الرضوان” سيظل شاهدًا على هذا الإرث العريق.
