لم يعد التلوث بالبلاستيك مجرد مشكلة بيئية هامشية في دول الخليج، بل تحول إلى تحدٍّ رئيسي يؤثر على صحة الإنسان والبيئة البحرية والبرية. ومع ارتفاع معدلات الاستهلاك والنمو السكاني، تتزايد كميات النفايات البلاستيكية بشكل مطرد، مما يهدد التنوع البيولوجي والاستدامة في المنطقة. وتسعى الحكومات الخليجية بشكل متزايد إلى معالجة هذه القضية من خلال قوانين جديدة وحملات توعية، لكن التحدي لا يزال كبيراً.
وتشير التقارير إلى أن التلوث بالبلاستيك يمتد تأثيره إلى مختلف جوانب الحياة في دول الخليج، بدءًا من الشواطئ المليئة بالنفايات وصولًا إلى السلسلة الغذائية للإنسان. وقد أعلنت وزارة التغير المناخي والبيئة الإماراتية عن تفعيل المرحلة الثانية من قرار حظر مجموعة جديدة من المنتجات البلاستيكية الاستهلاكية، في خطوة تهدف إلى الحد من هذا التلوث المتزايد.
جهود متصاعدة لمواجهة خطر البلاستيك في الخليج
سيُطبق القرار الإماراتي، الذي يشمل حظر أكواب المرطبات وأغطيتها، وأدوات المائدة البلاستيكية، ومستوعبات الطعام المصنوعة من الستايروفوم (الفوم)، بالإضافة إلى الأكياس ذات الاستخدام الواحد، اعتبارًا من الأول من يناير 2026. وقالت علياء عبد الرحيم الهرمودي، وكيل الوزارة المساعد لقطاع المجتمعات المستدامة، إن هذا القرار يمثل محطة مفصلية في مسيرة الدولة نحو مستقبل أكثر استدامة، ويرتكز على ترسيخ مبادئ الاقتصاد الدائري.
بدأت الإمارات بالفعل تنفيذ المرحلة الأولى من القرار في بداية عام 2024، بحظر أكياس التسوق البلاستيكية، مما ساهم في خفض الاستهلاك وتشجيع استخدام البدائل القابلة لإعادة الاستخدام. وتأتي هذه الإجراءات في سياق اتجاه إقليمي متزايد نحو مكافحة التلوث البلاستيكي.
السواحل الخليجية: بؤرة للتلوث
تعتبر السواحل الخليجية من بين المناطق الأكثر تضرراً من التلوث بالبلاستيك، وذلك بسبب طبيعة الخليج العربي كمسطح مائي شبه مغلق. وتشير الدراسات البيئية إلى أن الرياح والتيارات البحرية تساهم في تراكم النفايات البلاستيكية على طول الشواطئ، مما يؤثر سلبًا على الشعاب المرجانية والكائنات البحرية.
وفي السعودية، كشفت الأبحاث العلمية عن وجود جسيمات ميكروبلاستيكية في شواطئ الخفجي والجبيل والدمام، بنسب تتراوح بين 5.5 و21.2 جزيئًا لكل كيلوغرام من الرمال. ويُعزى ذلك إلى ارتفاع استهلاك الفرد من البلاستيك في المملكة، الذي يقدر بنحو 40 كيلوغرامًا سنويًا.
تباين الإجراءات بين دول الخليج
على الرغم من وجود هدف مشترك يتمثل في الحد من التلوث بالبلاستيك، إلا أن الإجراءات المتخذة تختلف من دولة إلى أخرى. ففي قطر، تحظر القوانين استخدام البلاستيك في تغليف الوجبات الساخنة وأكواب وأطباق الفوم، بالإضافة إلى حظر تغليف الخبز بالبلاستيك. أما السعودية، فتتبنى مبادرة “السعودية الخضراء” التي تهدف إلى إعادة تدوير 95% من النفايات بحلول عام 2035، باستثمارات تقدر بنحو 120 مليار ريال.
في سلطنة عمان، يُفرض حظر قانوني على أكياس التسوق البلاستيكية أحادية الاستخدام، مع غرامات تصل إلى 2000 ريال عماني للمخالفين. وفي البحرين، تم حظر الأكياس أحادية الاستخدام، على الرغم من أن البلاستيك لا يزال يشكل حوالي 32% من المخلفات المنزلية. أما في الكويت، فتظهر البيانات أن النفايات البلاستيكية تمثل 13.4% من إجمالي النفايات الصلبة، وسط دعوات لتشديد التشريعات.
الأبعاد الصحية والاقتصادية للتلوث بالبلاستيك
تتجاوز آثار التلوث بالبلاستيك الأبعاد البيئية لتشمل الصحة العامة والاقتصاد. فقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن حوالي 11 مليون طن من البلاستيك تُلقى في البحار والمحيطات سنويًا، من أصل 400 مليون طن تُنتج عالميًا. ويُعاد تدوير أقل من 10% من هذه النفايات، بينما يُصمَّم نصفها للاستخدام مرة واحدة.
وتتوقع التقديرات أن يتضاعف تلوث النظم المائية بنسبة 300% بحلول عام 2040، مما سيؤثر على أكثر من 800 نوع بحري. وتتراوح التكلفة الاجتماعية والبيئية للتلوث البلاستيكي عالميًا بين 300 و600 مليار دولار سنويًا. كما أن وجود الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في التربة والمياه والغذاء يثير مخاوف صحية متزايدة.
ويرى المختص في الشأن البيئي عمر عبد اللطيف أن معالجة هذه المشكلة تتطلب تضافر الجهود الحكومية والمجتمعية، بالإضافة إلى تشريعات رادعة وتوعية شاملة بأضرار البلاستيك. ويؤكد على أهمية البحث عن بدائل قابلة للتحلل وصديقة للبيئة، وتعزيز الرقابة على استخدام البلاستيك في مختلف القطاعات.
في الختام، من المتوقع أن تستمر دول الخليج في اتخاذ المزيد من الإجراءات للحد من التلوث بالبلاستيك في السنوات القادمة، مع التركيز على تعزيز القوانين وتوسيع نطاق حظر المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه هذه الجهود، بما في ذلك الحاجة إلى تغيير أنماط الاستهلاك وتعزيز الوعي البيئي. وسيكون من المهم مراقبة مدى التزام الدول بتنفيذ هذه الإجراءات وتقييم فعاليتها في تحقيق الأهداف المنشودة.
