تعكس تحركات المحافظ السيادية في أسواق الدين العالمية مؤشرات دقيقة على متانة الأوضاع المالية وقدرة الاقتصادات على إدارة الفوائض والمخاطر. وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات كفاعل نشط في سوق السندات الأمريكية، حيث بلغت حيازتها منها 110.7 مليار دولار بنهاية أكتوبر 2025، مما يعكس ثقة مالية عالية وإدارة احترافية للاحتياطيات.
هذا الارتفاع في حيازة السندات الأمريكية يأتي في وقت يشهد تقلبات في الأسواق العالمية، ويحمل دلالات تتجاوز مجرد الاستثمار المالي إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل لدولة الإمارات.
توسع سيادي في حيازة السندات الأمريكية
في تحرك لافت، عززت الإمارات حضورها في سوق سندات الخزانة الأمريكية، مخالفةً الاتجاه العام لتراجع حيازات الأجانب. وقامت الإمارات بزيادة حيازتها إلى 110.7 مليار دولار بنهاية أكتوبر 2025، بعد مشتريات شهرية متوسطة بلغت حوالي 7.5 مليار دولار، وفقًا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية.
وعلى أساس سنوي، شهدت حيازة الإمارات للسندات الأمريكية توسعًا حادًا، حيث زادت بنحو 42.4 مليار دولار مقارنة بمستواها في أكتوبر 2024 البالغ 68.3 مليار دولار. هذا يعكس تسارع وتيرة الاستثمار خلال عام واحد، على الرغم من التقلبات التي شهدتها أسواق الدين العالمية.
أشارت صحيفة اقتصاد الشرق مع بلومبيرغ في 19 ديسمبر 2025، إلى أن مستوى أكتوبر يمثل أحد أعلى مستويات الحيازة الإماراتية خلال العام، مع تسجيل ذروتين سابقتين في فبراير وأبريل، مما يشير إلى إدارة نشطة للمحفظة السيادية.
تكتسب هذه الزيادة أهميتها من كونها جاءت في شهر اتسم بتراجع إجمالي حيازات المستثمرين الأجانب من السندات الأمريكية، مما يضع التحرك الإماراتي في خانة القرار الاستثماري المستقل.
يأتي هذا التوسع بعد أن سجلت حيازة الإمارات مستوى 79.2 مليار دولار في أغسطس 2024، وهو الأعلى منذ بداية 2020، ما يؤكد أن الزيادة الحالية ليست طفرة مؤقتة، بل امتداد لمسار تصاعدي مدروس.
إعادة تموضع عالمي في سوق السندات
تأتي الزيادة الإماراتية في توقيت حساس تشهده سوق السندات الأمريكية، مع تراجع إجمالي الحيازات الأجنبية وتصاعد الجدل حول مستقبل الطلب الخارجي على الدين الأمريكي.
أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن إجمالي حيازات الأجانب من سندات الخزانة انخفض خلال أكتوبر 2025 بنحو 5.8 مليارات دولار، ليستقر عند 9.24 تريليونات دولار. يعكس هذا التراجع اتجاهًا عامًا اتسم بالحذر وإعادة تقييم مراكز الاستثمار.
واصلت الصين تقليص تعرضها للسندات الأمريكية، وخفضت حيازتها بمقدار 11.8 مليار دولار لتصل إلى 688.7 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ 2008. في المقابل، سجلت اليابان زيادة شهرية قدرها 10.7 مليارات دولار.
كما عززت المملكة المتحدة حيازتها بمقدار 13.2 مليار دولار، في مؤشر على تباين واضح في توجهات المستثمرين الكبار. حافظت السعودية على استقرار حيازتها عند 134.4 مليار دولار، ما يعكس نهجًا أكثر تحفظًا مقارنة بالتحرك الإماراتي.
أداة استراتيجية لإدارة الاحتياطيات
يرى الخبراء أن الإمارات تنظر إلى حيازة السندات الأمريكية كأداة تحوط استراتيجية، وليست مجرد أداة تداول. هذا النهج يختلف عن باقي المستثمرين، حيث لا تتوقع الإمارات مخاطر وشيكة على الدولار كعملة احتياط.
تساهم حيازة الإمارات للسندات الأمريكية في تعزيز متانة الدرهم الإماراتي خلال فترات التوتر المالي، وتعزز قدرة المصرف المركزي على توفير احتياطيات مالية مستقرة ومرنة. كما ترفع مستوى المصداقية الدولية لدولة الإمارات.
ويرتبط التوسع في حيازة الإمارات من السندات الأمريكية بإطار السياسة النقدية وإدارة الاحتياطيات الأجنبية، التي يديرها مصرف الإمارات المركزي. بلغت الاحتياطيات الأجنبية لدولة الإمارات 991.6 مليار درهم (نحو 270 مليار دولار) في أكتوبر 2025، ويُوظَّف جزء كبير منها في هذه السندات.
يأتي هذا التوجه في سياق الحفاظ على ربط الدرهم بالدولار، وهو نظام يتطلب أصولاً دولارية تغطي القاعدة النقدية، بما يتيح للمصرف المركزي التدخل عند الحاجة وضمان استقرار سعر الصرف.
من المتوقع أن يستمر مصرف الإمارات المركزي في تقييم أداء المحفظة الاستثمارية وتعديلها وفقًا للظروف الاقتصادية العالمية. سيراقب المستثمرون عن كثب بيانات حيازة السندات الأمريكية في الأشهر القادمة، مع التركيز على أي تغييرات كبيرة في استراتيجية الإمارات الاستثمارية، بالإضافة إلى تطورات السياسة النقدية الأمريكية وتأثيرها على أسعار الفائدة.
