يمثل إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري نقلة نوعية في مسار العلاقات الثنائية بين الرياض والقاهرة، حيث يسعى البلدان إلى تطوير التعاون المشترك عبر إطار مؤسسي دائم يضمن المتابعة الفعالة والتنفيذ المتقن للاتفاقيات. يأتي هذا الإجراء في وقت يشهد فيه الإقليم تحديات متزايدة تتطلب تنسيقاً استراتيجياً بين الدول العربية الرئيسية لتعزيز الاستقرار والازدهار المشترك.
وقد تم توقيع محضر تشكيل المجلس في أكتوبر 2024، خلال لقاء جمع بين الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويعكس هذا التوقيع الأهمية السياسية الكبيرة التي يوليها الطرفان لهذه الآلية الجديدة، والتي تهدف إلى الارتقاء بالعلاقات إلى مستويات غير مسبوقة.
أهداف مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري الاستراتيجية
يهدف المجلس إلى أن يكون المرجعية العليا لتنظيم العلاقات السعودية المصرية في جميع المجالات، من خلال إطار مؤسسي دائم يتولى التخطيط والمتابعة والتقييم. لا يقتصر دور المجلس على إطلاق مبادرات جديدة فحسب، بل يشمل أيضاً الإشراف على تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم القائمة، وتقييم التقدم المحرز في المشاريع المشتركة.
لجان قطاعية متخصصة
يعمل المجلس من خلال لجان قطاعية متخصصة تغطي مجالات حيوية مثل الطاقة والنقل والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتعليم والصحة، بالإضافة إلى التعاون الأمني والعسكري. تجتمع هذه اللجان بشكل دوري لمناقشة التطورات وتقديم تقاريرها إلى الأمانة العامة، تمهيداً لرفعها إلى مستوى القيادة عند الحاجة.
يهدف المجلس إلى توحيد مسارات التعاون الثنائي تحت مظلة واحدة، مما يضمن إزالة التداخل بين الجهات المختلفة وتسريع عملية اتخاذ القرارات. كما يربط المجلس الملفات السياسية بالملفات الاقتصادية والتنموية، في إطار رؤية استراتيجية طويلة الأمد تخدم مصالح البلدين وتعزز الاستقرار الإقليمي. ويعتبر هذا الإطار بمثابة أداة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج عمل واضحة ومحددة.
التحضيرات للدورة الأولى
في إطار تفعيل المجلس، شهدت الرياض سلسلة من الاجتماعات بين الأمانتين العامتين للمجلس من الجانبين السعودي والمصري، والتي شكلت الأساس العملي لانطلاق عمله. عُقد الاجتماع الأول للأمانة العامة في 21 أغسطس 2025، برئاسة المستشار بالديوان الملكي محمد بن مزيد التويجري من الجانب السعودي، ونائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل كامل الوزير من الجانب المصري. أكد الجانبان خلال الاجتماع أن المجلس سيكون المنصة الرئيسية لإدارة الأعمال الثنائية في جميع المجالات.
ركز الاجتماع الأول على مناقشة الرؤى المشتركة للعلاقة الاستراتيجية ووضع الخطوط العريضة لخطة العمل وتحديد أولويات التعاون، بالإضافة إلى التحضيرات الإدارية والتنظيمية للدورة الأولى للمجلس على مستوى القيادة. وفي 15 أكتوبر 2025، عُقد الاجتماع الثاني للأمانة العامة في الرياض، حيث جرى الانتقال إلى مستوى أكثر تفصيلاً من التحضيرات، بما في ذلك مناقشة خطط العمل القطاعية وآليات التنفيذ والجداول الزمنية للمشاريع المطروحة. أكد أمينا المجلس على حرصهما على الارتقاء بالعلاقات الثنائية لتحقيق تطلعات قيادتي وشعبي البلدين.
التواصل السياسي المستمر
تزامن العمل المؤسسي للمجلس مع نشاط سياسي مكثف على مستوى وزارتي الخارجية في البلدين. أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية في 16 و 23 ديسمبر لمتابعة الترتيبات الجارية لعقد الاجتماع الأول للمجلس. أكدت هذه الاتصالات على الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وأهمية أن يعكس المجلس مستوى التنسيق السياسي القائم بين البلدين، خاصة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.
كما شدد الجانبان على ضرورة أن يكون المجلس إطاراً مرناً قادراً على استيعاب القضايا المستجدة. تطرقت الاتصالات أيضاً إلى تطورات الأوضاع في غزة والسودان، في إطار التنسيق والتشاور المستمر، مما يعكس أن عمل المجلس لا ينفصل عن القضايا الإقليمية الكبرى، بل هو جزء من جهود تنسيق المواقف العربية في الملفات التي تؤثر على الأمن والاستقرار الإقليمي.
آفاق مستقبلية
يُعد مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات. من المتوقع أن يعقد المجلس دورته الأولى على مستوى القيادة في الأشهر القليلة القادمة، حيث سيتم خلالها مناقشة وتحديد الأولويات الاستراتيجية للتعاون المشترك. سيراقب المراقبون عن كثب قدرة المجلس على تحقيق أهدافه المعلنة، وعلى تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على شعبي البلدين.
من بين الأمور التي يجب مراقبتها، مدى قدرة المجلس على التغلب على أي تحديات تنظيمية أو إدارية قد تعيق تنفيذ المشاريع المشتركة، وكيفية تعامله مع أي خلافات محتملة في وجهات النظر حول القضايا الإقليمية. نجاح المجلس سيعتمد أيضاً على مستوى التنسيق بين اللجان القطاعية المختلفة، وعلى قدرتها على تقديم توصيات عملية ومفيدة للقيادة.
