شكّل الاتفاق الذي تم التوصل إليه يوم الثلاثاء (23 ديسمبر) في العاصمة العُمانية مسقط بين الحكومة اليمنية وجماعة “الحوثي” حول تبادل الأسرى، خطوة هامة نحو التهدئة الإنسانية والسياسية في ظل الصراع المستمر. يمثل هذا الاتفاق، الذي رعته سلطنة عُمان بدعم من السعودية والأمم المتحدة، فرصة لإنهاء معاناة آلاف الأسر اليمنية، ويطرح تساؤلات حول إمكانية استخدامه كمنصة أوسع لتحقيق سلام شامل.
الاتفاق يأتي في وقت حرج يشهد فيه اليمن تعقيدات متزايدة وتغيرات إقليمية تؤثر على مسار الأزمة. تتطلب هذه المرحلة جهودًا متضافرة لإعطاء الأولوية للجوانب الإنسانية، وتهيئة الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات السياسية.
تفاصيل اتفاق تبادل الأسرى
أعلن الوفد الحكومي اليمني عن التوصل إلى اتفاق شبه كامل لإطلاق سراح ما يقرب من 2900 أسير ومحتجز من مختلف الأطراف والجبهات، خلال الجولة العاشرة من المفاوضات الإنسانية التي استضافتها مسقط. يشمل الاتفاق إطلاق سراح 1200 محتجز من قبل الحوثيين، من بينهم القيادي البارز محمد قحطان، بالإضافة إلى سبعة مواطنين سعوديين، بينهم طياران، وحوالي 20 سودانيًا.
في المقابل، ستفرج الحكومة اليمنية عن 1700 محتجز. وتأتي هذه الخطوة بعد مفاوضات مطولة برعاية سلطنة عُمان، وبإشراف مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ.
أهمية التوقيت والجهات الراعية
تزامن الاتفاق مع زيارة وفد سعودي رفيع المستوى إلى مسقط برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، حيث التقى السلطان هيثم بن طارق لمناقشة تطورات إقليمية وملفات ثنائية، بالإضافة إلى الوضع في اليمن. يعكس هذا التزامن رغبة سعودية في دعم جهود السلام، والمساهمة في تخفيف المعاناة الإنسانية في اليمن.
أشاد السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، بالاتفاق، مؤكدًا أنه جاء بتوجيهات من القيادة السعودية وبالتعاون الوثيق مع الحكومة اليمنية، مع تقديره لمساعي سلطنة عُمان. وأضاف أن الاتفاق يعالج قضية إنسانية ملحة ويعزز فرص التهدئة.
كما أعربت سلطنة عُمان عن ترحيبها بالاتفاق، مثمنةً الروح الإيجابية التي سادت المفاوضات، وجهود المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتأمل مسقط أن يقود هذا الاتفاق إلى معالجة بقية القضايا المتعلقة بالأزمة اليمنية.
من جانبها، أعلنت جماعة الحوثي، ممثلة برئيس وفدها التفاوضي عبدالقادر المرتضى وكبير مفاوضيها محمد عبدالسلام، عن التوصل إلى صفقة تبادل واسعة، معبرة عن شكرها لعُمان على دورها في رعاية وإنجاح الجولة.
تحديات مستقبلية لعملية تبادل الأسرى
يُعد ملف الأسرى من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في النزاع اليمني، حيث شهد جولات تفاوض سابقة لم تسفر عن نتائج ملموسة. وبرغم تنفيذ بعض صفقات التبادل الجزئية، لا يزال هناك عدد كبير من الأسرى والمحتجزين في سجون الأطراف المتنازعة.
يتطلب تنفيذ هذا الاتفاق جهدًا لوجستيًا كبيرًا، والتزامًا كاملاً من جميع الأطراف ببنوده. من الضروري ضمان الإفراج عن جميع الأسرى والمحتجزين دون تمييز أو انتقائية، ومعالجة ملفات المفقودين وجثامين القتلى.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال هناك تحديات سياسية وأمنية كبيرة تعيق تحقيق سلام شامل في اليمن. تشمل هذه التحديات تعقيدات الملفات العسكرية والأمنية، وغياب تسوية سياسية جامعة، واستمرار الانقسامات الداخلية.
ويرى مراقبون أن نجاح عملية تبادل الأسرى قد يفتح الباب أمام مبادرات أخرى لتعزيز الثقة بين الأطراف المتنازعة، مثل تبادل الأسرى من النساء والأطفال، ورفع القيود المفروضة على حركة المدنيين.
الوضع الإنساني في اليمن يظل مأساويًا، حيث يعاني ملايين اليمنيين من نقص الغذاء والدواء والماء. ويتطلب تحسين هذا الوضع جهودًا دولية مكثفة لتقديم المساعدات الإنسانية، ودعم جهود التنمية الاقتصادية.
من المتوقع أن تبدأ عملية الإفراج عن الأسرى والمحتجزين في الأيام القليلة القادمة، تحت إشراف الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وسيكون من المهم مراقبة تنفيذ الاتفاق عن كثب، والتأكد من التزام جميع الأطراف ببنوده. يبقى مستقبل المفاوضات السياسية في اليمن غير واضح، لكن اتفاق تبادل الأسرى يمثل خطوة إيجابية نحو تحقيق سلام دائم.
