يشهد اليمن تطورات متسارعة في جنوب وشرق البلاد، حيث يثير تقدم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي مخاوف متزايدة بشأن وحدة اليمن وتداعيات ذلك على الأمن الإقليمي. وقد أبدت وسائل إعلام إسرائيلية اهتماماً ملحوظاً بهذه التحركات، مما أثار تساؤلات حول الدور المحتمل الذي قد تلعبه تل أبيب في المشهد اليمني المتغير.
تتركز هذه التطورات في محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان أكثر من نصف مساحة اليمن، وتضمّان ثروات نفطية وغازية كبيرة. سيطرة المجلس الانتقالي على هذه المناطق تضع الحكومة الشرعية في موقف ضعيف، وتُظهر تقسيمًا فعليًا للبلاد بين الحوثيين والانتقالي، وهو وضع لم يحظَ باعتراف دولي حتى الآن.
واقع سيطرة المجلس الانتقالي وتأثيره على اليمن
خلال الأسابيع الأخيرة، عزز المجلس الانتقالي الجنوبي نفوذه في محافظات شرق اليمن، مما أدى إلى تغيير في موازين القوى. هذا التطور يمثل تحديًا للسعودية، التي لطالما لعبت دورًا رئيسيًا في دعم وحدة اليمن، ويُعيد إلى الواجهة المطالبات بالانفصال.
وقد رفضت الرياض هذا التمدد، وأكدت على بقاء قواتها في حضرموت، بما في ذلك حشد قوات “درع الوطن” على الحدود اليمنية السعودية. ووفقًا لتقرير صادر عن صحيفة “الغارديان” البريطانية، حذرت السعودية المجلس الانتقالي من احتمال تعرضه لغارات جوية إذا لم ينسحب من شرق اليمن، مما يعكس مدى الحساسية الإقليمية لهذه التطورات.
بالتوازي مع ذلك، تتحدث أنباء عن نية المجلس الانتقالي تشكيل حكومة موازية ردًا على مغادرة الحكومة الشرعية إلى الرياض. هذه الخطوة، إذا تمت، ستعني الانتقال من فرض واقع عسكري إلى تثبيت هذا الواقع سياسيًا ومؤسسيًا، مما قد يؤدي إلى ترسيخ الانقسام وتحويل اليمن إلى كيانين منفصلين.
التوترات مع الحكومة السعودية
تُظهر العلاقة بين المجلس الانتقالي والحكومة السعودية توترات متزايدة. فبالإضافة إلى التحذيرات العسكرية، هناك مخاوف سعودية من أن يؤدي تعزيز نفوذ الانتقالي إلى تقويض مصالحها في اليمن، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على الممرات الملاحية الحيوية.
وتشير التقارير إلى أن السعودية تفضل الحفاظ على حكومة مركزية في اليمن، وأنها تنظر إلى المجلس الانتقالي كتهديد لوحدة البلاد. ومع ذلك، فإن الوضع الميداني المعقد يجعل من الصعب على السعودية فرض إرادتها بشكل كامل.
الاهتمام الإسرائيلي بالتطورات اليمنية
الأمر الذي يثير القلق بشكل خاص هو الاهتمام الذي أبدته وسائل الإعلام الإسرائيلية بتطورات الأوضاع في اليمن. فقد نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية تحليلًا للخبير في شؤون الخليج يوئيل غوزانسكي، يرى أن محاولة المجلس الانتقالي إقامة دولة مستقلة تمثل فرصة استراتيجية لـ”إسرائيل”.
ويشير التحليل إلى أن دولة الجنوب المنفصلة قد تكون مستعدة للانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” التطبيعية، مما قد يفتح الباب أمام علاقات دبلوماسية واقتصادية بين تل أبيب وصنعاء. هذا الاحتمال يثير مخاوف عربية وإقليمية، حيث يُنظر إليه على أنه محاولة لتقويض الأمن القومي العربي.
وقد نقلت هيئة البث الإسرائيلية تصريحات عن قيادي في المجلس الانتقالي أكد فيها أن المجلس يبحث عن دعم إسرائيلي لإقامة دولته. وأشار القيادي إلى أن هذا الدعم يمكن أن يشمل المساعدة العسكرية والأمنية والاقتصادية، وأن دولة الجنوب يمكن أن تلعب دورًا في حماية الممرات الملاحية ومواجهة التهديدات الإيرانية.
هذا التلاقي في الخطاب بين بعض عناصر المجلس الانتقالي ووسائل الإعلام الإسرائيلية يكشف عن وجود أجندة مشتركة، ويؤكد أن “إسرائيل” لا تنظر إلى ما يجري في اليمن بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. بل ترى فيه فرصة لتعزيز نفوذها في المنطقة، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل نقطة محورية في هذه التطورات، حيث يسعى إلى تحقيق الاستقلال الذاتي أو الكامل لدولة الجنوب. وحدة اليمن مهددة بشكل متزايد بسبب هذه التحركات، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في البلاد. التطبيع مع إسرائيل يمثل خيارًا مطروحًا على المجلس الانتقالي، وقد يكون له تداعيات كبيرة على العلاقات الإقليمية.
من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة مزيدًا من التصعيد في التوترات بين المجلس الانتقالي والحكومة السعودية. كما يجب مراقبة ردود الفعل الإقليمية والدولية على هذه التطورات، وخاصة موقف الولايات المتحدة والأمم المتحدة. يبقى مستقبل اليمن غير واضح، ولكن من المؤكد أن المشهد اليمني سيظل يشكل تحديًا كبيرًا للأمن والاستقرار في المنطقة.
