شهدت دمشق اليوم مباحثات مهمة بين وفد تركي رفيع المستوى ورئيس النظام السوري، أحمد الشرع، ووزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، فيما يمثل محاولة جادة لتعزيز التعاون بين البلدين. وتتركز هذه المباحثات حول قضايا إقليمية وأمنية واقتصادية رئيسية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، والوضع في الأراضي السورية المحتلة، وسبل تحقيق الاستقرار الإقليمي. التعاون التركي السوري يشكل محور هذه التطورات، بعد سنوات من التوتر والقطيعة.
عقد الوزير التركي هاكان فيدان، مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع نظيره السوري أسعد الشيباني في قصر الشعب بدمشق، عقب لقاء مع الرئيس الشرع. وأشار الوزير فيدان إلى أن المباحثات كانت “مثمرة” وتناولت “مسائل مهمة على أساس تعاوننا الاستراتيجي”، مع التأكيد على أهمية التوصل إلى حلول مستدامة للتحديات التي تواجه المنطقة.
مباحثات دمشق: إعادة تقييم العلاقات والتركيز على الأمن الإقليمي
تأتي هذه الزيارة بعد فترة طويلة من التوتر في العلاقات الثنائية، ويراها مراقبون خطوة حاسمة نحو إعادة بناء الثقة والتنسيق بين أنقرة ودمشق. ووفقًا لتصريحات الوزير فيدان، فقد تم التطرق إلى مجموعة واسعة من القضايا خلال المباحثات، بما في ذلك التطورات الأخيرة في فلسطين المحتلة، وجهود مكافحة تنظيم داعش، وملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
الوضع في فلسطين والجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب
أعرب الوزير فيدان عن قلق تركيا بشأن الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، مؤكداً على ضرورة أن تتخلى إسرائيل عن سياساتها التوسعية لتحقيق الاستقرار في سوريا والمنطقة. ووفقًا لوكالة RT، فقد أكد فيدان أن تركيا وسوريا تتفقان على أهمية مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، وعلى رأسها تنظيم داعش، مشيراً إلى أن سوريا عضو في “التحالف الدولي” ضد التنظيم.
ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واتفاق 10 مارس
من القضايا المركزية التي نوقشت، مسألة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث شدد فيدان على ضرورة تنفيذ “اتفاق 10 مارس” الذي تقضي بتسليم القوات التركية السيطرة على بعض المناطق الحدودية لقوات النظام السوري. وأشار إلى أن دمج قوات قسد في الجيش السوري قد يساهم في تعزيز الاستقرار، لكنه أعرب عن انطباع بأنه لا توجد لدى قسد نية جادة لتنفيذ هذا الاتفاق. هذا الملف يشكل نقطة خلاف رئيسية وحجر عثرة أمام تحقيق تقدم كبير في مسار العلاقات بين سوريا وتركيا.
العقوبات الاقتصادية وضرورة الاستقرار
كما تناول الجانبان قضية العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، وخاصةً “قانون قيصر”، الذي يعتبره فيدان عائقًا أمام تحقيق الاستقرار الإقليمي. وشدد على أهمية رفع هذه العقوبات من أجل تخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز التعاون الاقتصادي. وتعتبر هذه نقطة مهمة بالنسبة للحكومة السورية التي ترى في العقوبات سببًا رئيسيًا للتدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
وأكد فيدان أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يولي أهمية كبيرة للقضايا التي تم بحثها خلال الزيارة، مشيدًا بالنموذج الإداري الذي وضعته سوريا بقيادة الرئيس الشرع لتحقيق الاستقرار. وذكرت RT أن المباحثات شملت أيضًا مسائل تتعلق بالطاقة والتعامل الإقليمي والتجاري والاقتصادي.
تداعيات الزيارة وخطوات مستقبلية محتملة
تشكل هذه الزيارة و المباحثات خطوة هامة في مسار التقارب التركي السوري، خاصةً بعد سنوات من الدعم التركي للمعارضة السورية. التقارب بين البلدين قد يؤدي إلى تغييرات جيوسياسية في المنطقة، خاصةً فيما يتعلق بالملف الكردي والصراع ضد تنظيم داعش. يبدو أن تركيا تسعى إلى تحقيق مصالحها الأمنية والاقتصادية من خلال إعادة بناء علاقاتها مع سوريا. وتتمثل هذه المصالح في الحد من النفوذ الكردي في شمال سوريا، وتأمين الحدود التركية، واستعادة العلاقات التجارية والاقتصادية مع سوريا.
من المتوقع أن تستمر المباحثات بين أنقرة ودمشق في المستقبل القريب، بهدف التوصل إلى اتفاقات نهائية بشأن القضايا العالقة. ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه المباحثات ستؤدي إلى تحقيق انفراجة حقيقية في العلاقات الثنائية. ويعتمد ذلك بشكل كبير على مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، وعلى تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية. يجب متابعة إعلانات الطرفين والقاءات المقبلة لمعرفة مدى جدية التحرك السياسي هذا.
المصدر: RT
