تعدّ قصّة الفرقاطة “لوتين” (Lutine) من أكثر الحكايات إثارةً في عالم الكنوز الغارقة، حيث تجمع بين أحداث الثورة الفرنسية، والطموحات النابليونية، ومأساة بحرية، وجهود إنقاذ استمرت لعقود. هذه السفينة، التي غرقت في بحر الشمال عام 1799، لا تزال تثير فضول الباحثين عن الكنوز والمؤرخين على حد سواء.
بدأت حياة “لوتين” كفرقاطة فرنسية باسم “لا لوتين” (La Lutine)، وكانت تعتبر من أسرع السفن في الأسطول الفرنسي. إلا أن الأحداث المتسارعة في أعقاب الثورة الفرنسية، وحصار طولون الذي لعب فيه نابليون بونابرت دورًا حاسمًا، أدت إلى تغيير مصيرها. بعد الحصار، استولت البحرية البريطانية عليها، وأُعيد تسميتها ببساطة إلى “لوتين” لتنضم إلى أسطولها.
الرحلة المشؤومة وغرق “لوتين”
بعد انضمامها إلى الأسطول البريطاني، أُرسلت “لوتين” للقيام بمهام مرافقة لسفن النقل في المياه الهولندية. وفي عام 1795، خضعت لبعض التعديلات التي زادت عدد مدافعها إلى 38 مدفعًا. لكن الشهرة الحقيقية لـ “لوتين” لم تأتِ من المعارك، بل من رحلة سرية قادتها إلى قاع البحر.
في التاسع من أكتوبر عام 1799، انطلقت “لوتين” من ميناء يارموث في مهمة حساسة للغاية، تحمل شحنة ضخمة من الذهب والفضة تقدر قيمتها بمليوني جنيه إسترليني – وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت. كان الهدف من هذه الشحنة، وفقًا لبعض المصادر، هو إنقاذ بورصة هامبورغ من أزمة مالية، بينما يرى آخرون أنها كانت مخصصة لتمويل العمليات العسكرية البريطانية ضد نابليون.
خلال عبورها لبحر الشمال العاصف، وبين جزيرتي تيرشخيلينج وفيلان، واجهت “لوتين” ظروفًا جوية قاسية. التيارات القوية والضفاف الرملية الخادعة في تلك المنطقة تسببت في جنوح السفينة واصطدامها بقاع البحر. لم تتمكن “لوتين” من مقاومة قوة الأمواج، فغرقت بسرعة، حاملة معها معظم طاقمها وكنزها الأسطوري.
عمليات الإنقاذ والبحث عن الكنز
لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ هيكل “لوتين” الخشبي بالظهور فوق سطح الماء مع انحسار المد. استغل الهولنديون، الذين كانوا في حالة حرب مع بريطانيا آنذاك، هذه الفرصة للإعلان عن ملكيتهم للحطام وبدء عمليات انتشال الكنز. على مدار عام ونصف، سمحت الحكومة الهولندية للمواطنين بجمع ما يمكنهم العثور عليه، مع احتفاظهم بثُلث القيمة.
ومع ذلك، سرعان ما بدأت الرمال المتحركة في ابتلاع بقايا السفينة، وفي ظل تصاعد وتيرة الحروب النابليونية، نُسي أمر “لوتين” وكنزها لسنوات طويلة. إلى أن عادت عمليات التنقيب في عام 1821، هذه المرة بتنظيم من الحكومة الهولندية، مع السماح للباحثين بالاحتفاظ بنصف ما يعثرون عليه.
تغيرت الأوضاع السياسية لاحقًا، فلم تعد بريطانيا وهولندا في حالة عداء. نتيجة لذلك، انتقلت حقوق انتشال الحطام إلى التاج البريطاني، الذي قام بدوره بتسليمها إلى شركة لويدز للتأمين في لندن، بعد أن دفعت الشركة تعويضات كاملة عن الشحنة المفقودة. هذا التحول مثّل بداية حقبة جديدة من عمليات الإنقاذ المنظمة.
استثمرت شركة لويدز بشكل كبير في استعادة كنز “لوتين”، ونظمت حملات متعددة على مدى عقود، مستخدمة أحدث التقنيات المتاحة في ذلك الوقت. تم استخراج كميات كبيرة من الذهب والفضة، لكن الجزء الأكبر من الكنز لا يزال مدفونًا تحت الرمال، مما يجعل الوصول إليه مهمة صعبة للغاية. تشير التقديرات إلى أن ثروة تقدر بعشرات الملايين من اليورو لا تزال تنتظر من يعثر عليها.
جرس “لوتين” وإرثها الثقافي
من بين جميع الأشياء التي تم انتشالها من حطام “لوتين”، اكتسب جرس السفينة أهمية خاصة. تم استعادة الجرس في عام 1858، وعرض في المقر الرئيسي لشركة لويدز في لندن. لأكثر من قرن، كان الجرس يُقرع مرة واحدة للإعلان عن فقدان سفينة، ومرتين للإعلان عن عودتها بسلام. أصبح الجرس رمزًا لقصة “لوتين” وتذكيرًا دائمًا بمخاطر البحار.
تجاوزت “لوتين” كونها مجرد سفينة حربية غارقة لتصبح جزءًا من التراث الثقافي. قصتها تعكس صراعات سياسية، وحروبًا، وملاحم إنسانية في البحث عن الثروة. حتى أن مصطلح “لوتين” أصبح جزءًا من المصطلحات المستخدمة في التأمين البحري، للإشارة إلى الخسائر الكلية أو الاختفاء الغامض للسفن. كما ألهمت هذه القصة العديد من الكتاب والمؤرخين لتوثيقها في الكتب والأفلام الوثائقية.
لا تزال “لوتين” تحيي ذكرى الماضي، ليس فقط كحطام يخفي كنوزًا، بل كأيقونة تروي حكايات عن الطموح، وقوة الطبيعة، والسعي الدائم وراء الأحلام. من المتوقع أن تستمر الجهود في البحث عن بقايا الكنز المفقود، على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه فرق الإنقاذ. ما سيحدث في المستقبل يعتمد على تطور التكنولوجيا وعلى الظروف الجوية في بحر الشمال.
المصدر: RT
